فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 207

فلابد - إذًا- من خطوة إلى الوراء من أجل خطوتين إلى الأمام، بشرط أن تكون قراءتنا موضوعية قائمة على الاستمرارية والتأويل المعقلن، في ضوء تصورات معاصرة متجددة. علاوة على ذلك، لا يمكن أن تتحقق النهضة الفكرية إلا بالتعامل مع التراث داخل الثقافة نفسها، بممارسة نقد الماضي والحاضر معا:"إنه بممارسة العقلانية النقدية في تراثنا وبالمعطيات المنهجية لعصرنا، وبهذه الممارسة وحدها، يمكن أن نزرع في ثقافتنا الراهنة روحا نقدية جديدة وعقلانية مطابقة، وهما: الشرطان الضروريان لكل نهضة. [1] "

وعلى وجه العموم، يرى محمد عابد الجابري أن تعامل المفكر العربي مع التراث يطرح مشكلين متلازمين، وهما: مشكل الموضوعية. أي: كيف يمكن فصل الذات عن الموضوع في التعامل مع تراثنا العربي الإسلامي، وكيف يمكن تحقيق العلمية الحقيقية في التعامل مع الظاهرة التراثية، دون أن تكون الذات حاضرة في التعامل معها تعاطفا وتآزرا ودفاعا.

وثانيا، هناك مشكل الاستمرارية، بمعنى أن التراث مازال مستمرا وممتدا في ثقافتنا المعاصرة، ومازال يحتاج إلى تجديد وقراءات مغايرة لفهمه وتفسيره، وتمثل إيجابياته ومواقفه الإيديولوجية الهادفة والبناءة. وفي هذا الإطار، يقول الجابري:"ولكن لماذا الاستمرارية؟"

أولا: لأن الأمر يتعلق بتراث هو تراثنا نحن، فهو جزء منا أخرجناه عن ذواتنا لا لنلتقي به هناك بعيدا عنا، لا لنتفرج عليه تفرج الأنتروبولوجي في منشأته الحضارية والبنيوية، ولا لنتأمله تأمل الفيلسوف لصروحه الفكرية المجردة، بل فصلناه عنا من أجل أن نعيده إلينا في صورة جديدة، وبعلاقات جديدة، من أجل أن نجعله معاصرا لنا على صعيد الفهم والمعقولية، وأيضا على صعيد التوظيف

(1) - محمد عابد الجابري: نفسه، ص:87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت