يدرك الجابري أن تراثنا تراث حي، لأنه ظل ساريا بيننا متغلغلا في نفوسنا، وأنه قابل للتطور، في حين بقيت ثقافتنا/ عقليتنا السائدة حاليًا متخلفة، إنها"من مخلفات عصور الانحطاط، خاصة في طريقة التفكير التي تنتهجها". ولهذا، دعا إلى ضرورة تخليصها أولا من شوائبها، ثم بعد ذلك، تبني طريقة موضوعية في قراءة ما تستبطنه وتختزنه من تراث.
تستند الطريقة الموضوعية في قراءة التراث إلى إعادة النظر في ترتيب العلاقة الملتبسة بين الماضي والحاضر، أو الحداثة والتراث، آو الفهم التقليدي للتراث والفهم العلمي. على أن الجابري في قراءته العلمية ينحاز منذ البداية للحداثة، ويجعلها منطلقه ومنتهاه، ولا تتحقق تلك الحداثة إلا بالارتكاز على التراث. ولذلك، فأول مهام المفكر هي ضرورة تحريرنا من الفهم التراثي للتراث، الذي تحكم طويلا بعقليتنا، وتخليص هذا التراث من طابعه العام والمطلق والمقدس، ووضعه في إطاره الحقيقي. أي: إطار النسبية والتاريخية، ولا يتحقق ذلك إلا بتأسيس الفهم العقلاني والحداثي والديمقراطي للتراث.
و يخلص أصحاب منظور"تجديد التراث"، وفي طليعتهم مؤسسه محمد عابد الجابري، بأن للعودة إلى التراث دورا وظيفيا حاسما للنهوض بأمتنا، وانبعاث حضارتها، ويتمثل هذا الدور في الارتكاز على التراث لنقد الحاضر البائس وتأسيس المستقبل. كما أن لهذه الدعوة المجددة وظيفة دفاعية للحفاظ على هويتنا وأصالتنا ضد التبعية والاستلاب."لقد كان التراث دائما حصنا منيعا للدفاع عن الاستقلال، وللحفاظ على الذات وخصوصيتها الثقافية، وقدرتها على التحرر والإبداع". على أن قراءة الجابري هي في الآن نفسه دعوة إلى القطيعة، لكنها ليست قطيعة مع التراث برمته، وإنما قطيعة مع نماذج معينة من التراث سادت في عصر الانحطاط، وقطيعة مع القراءات والمناهج غير الموضوعية."إن القطيعة التي ندعو إليها ليست القطيعة مع التراث، بل القطيعة مع نوع من العلاقة"