وتحولت إلى عقيدة اجتماعية بكل معنى الكلمة, أي أن أفكارها انتقلت من المجال الفلسفي النظري العام إلى حيز الممارسة الاجتماعية اليومية, وتقوم الكونفوشية في كوريا على ثلاثة مبادئ (1) :
أ- تکريم ذكرى الأسلاف: فالأسلاف يمثلون المثال الأعلى للسلوك, والاقتداء بما أورثوه على المستوى الأخلاقي, إرث معنوي ورمزي ثمين يجب على الأبناء تكريسه بتكريمهم. واعتماد الكونفوشية, بعدها حاملا اجتماعيا لنشاط الإنسان الكوري في حياته اليومية والعملية أعطى الشخصية الكورية الدينامية التي تتميز بهار وكذلك التماسك التقليدي الذي منع انكسارها من الداخل, على الرغم من الكسور الخارجية التي أصيبت بها من الاستعمار الياباني والحرب الكورية (1950 - 1953) . وتکريم ذكرى الأسلاف يعني قبل أي شيء آخر التعلق بالعائلة بوصفها قيمة أساسية في الحياة. وعلى المستويين الفردي والجماعي، وهذا ماتجسده العقيدة الكونفوشية في قاعدة الى هيود أي خشوع الأبناء أمام والديهم. وهنا لا فصل جوهرية بين تكريم الأقدمين من أسلاف للعائلة وتقديم الطاعة والوفاء إلى الوالدين في الحاضر. ولولا هذا التماسك القوي والعميق على مستوى الخلية الأولى للمجتمع العائلة) لما استمر المجتمع الكوري قوية راسخة.
ب- احترام السلطة: إن احترام السلطة يبدأ داخل الأسرة باحترام الوالدين, على قاعدة الهيو. وتنسحب لاحقار في الشخصية الكورية على احترام شبه مطلق للسلطة. وتبرز بقوة هذه النزعة الكونفوشية على نحو خاص في كوريا الشمالية إذ أن النظام السياسي ذو طابع سلطوي منذ عام 1948 من دون أن يبدي الشعب أي اعتراض يذكر على السلطة. وبقي الناس متعلقين بصورة القائد انطلاقا من واجب الطاعة البنيوية المطلقة, إذ كان الجنرال کيم ايل سونج مؤسس الجمهورية يحرص على الدوام على تقديم نفسه في صورة الأب القائد والأب المحب للشعب والأب - البطل المقاوم للمحتل الياباني, كما للغازي الأمريكي.
ج- إكبار كلي للتعليم والعلم: إذ أن أهل العلم هم صفوة الناس في نظر الكونفوشية. وعليه فإن التعليم قيمة عليا, تعبر عن رقي المجتمع من جانب, وتساهم في استمرارية هذا الرقي من جانب آخر. فالتميز في التحصيل العلمي واجب أخلاقي, على المرء أن يسعى دوما إلى تحقيقه, إذ إنه سيدفعه لاحقا إلى التميز في العمل. وهنا يكون السعي إلى الاجتهاد في العمل واجبة أخلاقية في الكونفوشية, كما أن السعي إلى الجودة القصوى في هذا العمل موقف أخلاقي ملزم يجعل من العمل والتعلم قيمة واحدة ذات وجهين في الشخصية
1 -فردريك معتوق. مصدر سابق، ص 61 - 65