فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 293

ثانيا: العولمة وتأثيرها في آسيا

يثير مصير الدولة في ظل العولمة, رؤيتين فکريتين متناقضتين تماما, فمن جهة هناك (غلاة العولمة) , ومن جهة أخرى هناك (المتشككون في العولمة) . فالرؤية الأولى ترى أن توسع السوق العالمية. سيقود إلى فقدان الدولة لجزء مهم من سلطاتها. ويركز هذا التيار على أن سيادة الدولة أصبحت مهجورة, وأنها آيلة إلى الانحلال وان الدول صارت أقل قدرة على انجاز وظائفها التقليدية. فالدولة الوطنية المعاصرة ستذبل وستصير مجرد إداري بسيط للاكراهات الاقتصادية التي ستتجاوزها. وفي حدودها التاريخية ستنتهي من كونها المكان المفضل للهوية والعمل السياسي. وباختصار ستصير الدول في أحسن الأحوال فاعلا عاديا من بين فاعلين آخرين في النظام الدولي. وفي أسوأ الأحوال فان الدولة ستفقد المراقبة ولن تكون قادرة على تعديل مجرى الأحداث (1)

أما الرؤية الثانية ويمثلها التيار المتشكك في العولمة والمتفائل بمستقبل الدولة الوطنية, فيؤكد أن التحولات التكنولوجية غيرت القواعد الاقتصادية للدول وزعزعت مشروعيتها, ومنحت للأسواق سلطة عليا عن سلطة الحكومات, وان التحولات التي طرأت على بني السياسة الدولية المالية والإنتاج والأمن والتعليم تعمل على تأكل السيادة شيئا فشيئا في جميع الميادين, إلا أن هذه التحولات لا تعني نهاية الدول، وأنها لن تتلاشى نهائيا, حتى وإن حققت كل شيء. وفي المجال الاقتصادي تبرز أهمية نظام السوق مع التأكيد دائما على ضرورة وجود دولة قوية, ودونها يتعذر على السوق أداء دوره. والمطلوب فقط تعديل وظيفة الدولة, فالفارق المهم بين النظم المركزية ونظم السوق هو أن الدولة تتدخل في الحياة الاقتصادية كونها سلطة وليس لأنها منتجار لأن سلطة الدولة لاغنى عنها ولا تتناقض مع تطور الحياة الاقتصادية. وقد بينت تجربة دول شرق آسيا بوضوح إمكانية وجود ترابط إيجابي بين تمرکز عال للدولة والنجاح في الاقتصاد المعولم (2)

1 -سعيد ألصديقي، هل تستطيع الدولة الوطنية أن تقاوم تحديات العولمة؟ في مجموعة باحثين، العولمة والنظام الدولي الجديد. مصدر سابق. ص 114 - 115.

2 -لابد من التمييز بين مفهوم السيادة والاستقلال. فهناك من يرى إنهما مفهومان متطابقان. إلا أن هناك توجها يرى ضرورة التمييز بين المفهوم القانوني لنظام الدولة الذي يعبر عنه مفهوم السيادة, وواقع علاقات القوة السياسية الذي يجب أن يعكس الاستقلال الحقيقي للدولة، ذلك أن الاستقلال مفهوم يترجم القدرة التسبية لدولة ما لإدارة شؤونها الخاصة رغم الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والإستراتيجية التي تفرضها البيئة الدولية, وهذا الاستقلال يعكس قدرة الحكومات على العمل بشكل مستقل في تحديد أهداف سياستها الداخلية والدولية وتنفيذها. وقد أخضعت ظاهرة العولمة مفهوم السيادة وغيره من المفاهيم الرئيسة في علم السياسة للمراجعة وإعادة التعريف, فالرهانات الدولية الجديدة والمشكلات غير المسبوقة والحدود الاقتصادية والكمركية التي رسمتها تحولات العولمة لا تتوافق مع الحدود السياسية التي يقوم عليها المفهوم التقليدي للسيادة، وللمزيد انظر: سعيد الصديقين مصدر السابق، ص 116 - 119

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت