من أقدم تعريفات الثقافة ذلك الذي قدمه إدوارد تايلور في أواخر القرن التاسع عشر في كتابه الثقافة البدائية ويعرفها ب (كل مركب يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفنون والأخلاق, والقانون والعرف, وغير ذلك من الإمكانات أو العادات التي يكتسبها الإنسان كونه عضوا في مجتمع) (1) . فالثقافة (ذلك المركب المتجانس من الذكريات والتصورات والقيم والرموز والتعبيرات والإبداعات والتطلعات التي تحتفظ لجماعة بشرية, تشكل أمة أو ما في معناهار بهويتها الحضارية في إطار ما تعرفه من تطورات بفعل ديناميتها الداخلية وقابليتها للتواصل والأخذ والعطاء. وبعبارة أخرى، أن الثقافة هي المعبر الأصيل عن الخصوصية التاريخية الأمة من الأمم, عن نظرة هذه الأمة إلى الكون والحياة والموت والإنسان ومهامه وقدراته وحدوده وما ينبغي أن يعمل وما لا ينبغي أن يأمل .. وليست هناك ثقافة عالمية واحدة, وليس من المحتمل أن توجد في يوم من الأيام, وإنما وجدت, وتوجد وستوجد ثقافات متعددة متنوعة تعمل كل منها بصورة تلقائية, أو بتدخل إرادي من أهلهار على الحفاظ على كيانها ومقوماتها الخاصة. من هذه الثقافات ما يميل إلى الانغلاق والانكماش, ومنها ما يسعى إلى الانتشار والتوسع، ومنها ما ينعزل حينا وينتشر حينا آخر) (2) . والثقافة هي طريقة حياة الجماعة, ونظرتها إلى الأمور من حولها, وتتضمن مجمل المعارف والعقائد والأدوات والتكنولوجيا, والتفسيرات الحياتية التي تعطي معنى للواقع, والآخرين, كما أنها توجه طريقة العمل والإنتاج والاستهلاك. ويكتسب الفرد الثقافة من خلال مؤسسات التنشئة الاجتماعية التي يخضع لها منذ ولادته, ويشارك فيما بعد في تدعيم هذه الثقافة باتباعها والخضوع لها, وبذلك يسهم في استمراريتها عبر الأجيال.
وترتبط الثقافة بالهوية بمستوياتها المختلفة, الفردي والجماعي والوطني, فهي في كل مستوى منها انعكاس للثقافة السائدة وتدعيم لها في الوقت ذاته. وتعرف الهوية بأنها مطابقة الشيء لنفسه, وعناصرها هي: الاختلاف عن الغيرة والمطابقة للنفس, وما يتميز به المجتمع أو الجماعة, والفرد عن غيرهم في مجالات القيم والتقاليد. والسمات العامة. وجوهر أي هوية يتمثل في اللغة والدين, والقيم والمهارات والتراث وما يشتمل عليه من
1 -نقلا عن: بدرية البشر. مصدر سابق، ص 50 - 51.
2 -محمد عابد الجابري. العولمة والهوية الثقافية عشر أطروحات. في أسامة أمين الخولي (محرر) . مصدر سابق، ص 297 - .298