أما تفصيلًا: فهذا أبو بكر خير الناس بعد النبيين والمرسلين لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما طلعت الشمس على مثل النبيين والمرسلين مثلما طلعت على أبي بكر) ، رضي الله عنه وأرضاه قد فدى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأهله وماله، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (كنتم تقولون: كذب ويقول: صدق، سدوا عني كل خوخة إلا خوخة أبي بكر، واساني بأهله وماله) ، لما هاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتذكر العدو من الأمام فيأتي أمام النبي صلى الله عليه وسلم خوفًا على حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حياته لا تساوي شيئًا أمام حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يتذكر الطلب من قريش فيأتي خلف النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يأتي يمينًا ثم يأتي يسارًا!
كان الصحابة حين يجلسون مع رسول الله أو حين يرون طعامه أو شرابه أو نومه يتأدبون بأدب جم مع هذا النبي الكريم كما في الحديث: (كنا نسير أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ونترك ظهره للملائكة) ، ويصف لنا أحد الصحابة الكرام مجلسه قال: كنا في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كأن على رؤوسنا الطير! هيبة وتعظيمًا لمجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم.
علت أصوات الصحابة أبو بكر وعمر أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذات مرة فنهاهم الله عن ذلك وردهم ردًا رادعًا زاجرًا، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) [الحجرات: 2] ، فيبكي عمر ويبكي أبو بكر ويقولان: حبطت الأعمال، فكانوا يجلسون مجلس النبي صلى الله عليه وسلم يخاف أحدهم أن يتنفس النفس وله صوت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فينزل تحت طائلة هذه الآية العظيمة! ومن أدبهم مع رسولنا الكريم أنهم كانوا يطرقون بابه بالأظافر خوفًا وهيبة وتعظيمًا لهذا الرسول العظيم الذي عظمه ربه جل في علاه. وهذا ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه في أسفاره كان يتلمس أي مكان ينزل فيه الرسول فينزل في هذا المكان، يضع القدم على القدم، ويقول: ليت القدم يكون على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى سأل الصحابة: أين كان يبول رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيذهب فيبول في المكان الذي بال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه!
ذكر القاضي عياض (رحمه الله) أن من دلائل حب النبي (صلى الله عليه وسلم) أن تُحب كل ما له صلة ٌ وعلاقةٌ به عليه الصلاة والسلام.