فقال الشافعي لأستاذه مالك: أمسك لك منها دابة. فقال الأستاذ: ما أصنع بها، أنا في المدينة ولا أركب دابة فيها وقد ضم ترابها جسد المصطفى صلى الله عليه وسلم.
بل فوق ذلك كان شغوفًا بالعلم، لكن كان إذا جلس ليكتب حديث النبي صلى الله عليه وسلم يعلوه الوقار والسكينة، وفي ذات مرة في مجلس التحديث تزاحم الناس على ربيعة شيخ الإمام مالك فما وجد مكانًا ليجلس ويكتب الحديث، فكان قائمًا والناس يكتبون، ومالك لا يكتب فعلتهم الدهشة! فسألوه: لم لا تكتب حديث النبي صلى الله عليه وسلم؟! فقال: كنت قائمًا فعظمت حديث النبي أن أكتبه وأنا قائم، فلا بد من الجلوس والتعظيم والتبجيل والتوقير لمجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته وبعد مماته.
وجاء رجل من أهل اليمن إلى ابن عمر يسأله عن حج النبي صلى الله عليه وسلم وطواف النبي صلى الله عليه وسلم بالبيت فقال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما يبتدئ بالوضوء يتوضأ ويدخل إلى البيت فيذهب إلى الحجر الأسود فيقبله، فقال اليمني: أرأيت يا ابن عمر إن دفعوني، يقول: رأيت رسول الله يقبل الحجر، يقول: يا ابن عمر أرأيت إن زاحموني، يقول: رأيت رسول الله يقبل الحجر، اقتداء واحتذاء برسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، فقال له: أرأيت يا ابن عمر! لو قتلوني، فقال: اجعل أرأيت في اليمن، قد رأيت رسول الله يقبل الحجر) ، حتى ذكر عن ابن عمر أنه كان يقف ليقترب من الحجر فيدفعونه حتى يرعف وينزل الدم من أنفه ومن وجهه ولا يتحرك حتى يقبل الحجر ويقول: (رأيت رسول الله يقبل الحجر) ، ولا غرب ولا عجب، فأبوه كان يأتي إلى الحجر الأسود ويقبله ويقول: (والذي نفسي بيده! قد علمت أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك) .
وهذا أنس كان لا يحب الدباء، قال: (جلست مجلسًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت الدبا على المائدة، ورسول الله يتتبع الدباء في الصحفة، فأصبحت أحب الدباء منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب أكل الدبا) . و أبي بن كعب رضي الله عنه وأرضاه فضيلته مشهورة معروفة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس فنسي آية فما رد عليه أحد، فلما سلم قال: (أفي القوم أبي؟ فقال: ها أنا ذا يا رسول الله! فقال: لم لم ترد علي؟ فقال: خشيت أو استحييت يا رسول الله!) . ومن فضيلته أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه وقرأ عليه سورة البينة، فسأله أبي بن كعب عن السبب، فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم: (أمرني ربي أن أقرأ عليك سورة البينة، فبكى أبي وقال: يا رسول الله! أسماني باسمي؟) . وذات مرة قال: (جلست مع رسول الله فوضع الطعام وكان في الطعام