فهرس الكتاب

الصفحة 72 من 390

عبقرية هذا النظام، مع السبب الكامن وراء انتشاره عبر العالم، تمثلت بكون بنوده إجرائية، بدلا من أن تكون جوهرية. إذ كانت اي دولة مستعدة للتسليم بهذه الشروط الأساسية، فإن من الممكن الاعتراف بها طرقا دوليا مؤهلا لصون ما بخصه من ثقافة، سبلة، دين، وخطط داخلية، محصنا بالنظام الدولي ضد أي تدخل خارجي. كان مثال الوحدة الإمبراطورية أو الدينية - المنطلق النافذ لدى الأنظمة التاريخية في أوروبا وجل المناطق الأخرى - منطويا نظريا على أن من شان مركز قوة واحد فقط قادر على أن يكون مشروعا مئة بالمئة. أما المفهوم لوستفالي فقد اتخذ مبدأ التعددية منطلقا له واجتذب حشا متنوعا من المجتمعات، كل منها معترف به واتقاء إلى البحث المشترك عن النظام. ومع حلول منتصف القرن العشرين كان هذا النظام الدولي نافذا ومعتمدا في سائر الفارات وهو يبقي سقلة النظام الدولي كما هو موجود الآن.

لم ينتدب سلام وستفاليا ترتيب تحالفات محددة أو بنية سياسة أوروبية دائمة، فمع انتهاء الكنيسة الكونية الشاملة بوصفها مصدر المشروعية الأخيرة وإضعاف الإمبراطورية الرومانية المقدسة، بات مفهوم التنظيم بالنسبة إلى اوروبا متمثلا بمبدأ توازن القوة - المنطوي، تحديدا، على نوع من الحباد الإيديولوجي والتكيف مع ظروف متطورة. وقد عبر السياسي البريطاني في القرن التاسع عشر: اللورد بالمرستون عن المنطلق الأساسي لهذا المبدا قائلا

نحن لا نتوفر على حلفاء دائمين كما لا نواجه أعداء أبديين. أما مصالحنا فهي دائمة وأبدية؛ وتلك المصالح هي التي يتعين علينا مراعاتها (16) . ولدي مطالبته بتحديد هذه المصالح بقدر أكبر من الثقة بصيغة نوع من السياسة الخارجية الرسمية اعترف فارس القوة البريطانية الشهير قائلا:"حين يسالني الناس عن معنى السياسة فإن الجواب الوحيد هو أننا نحاول أن نقوم بما يبدو الأفضل، في كل مناسبة طارئة، جاعلين مصالح بلدنا المبدا الموجه",

من الطبيعي أن هذا المفهوم الخادع ببساطنه كان يخدم بريطانيا جزئيا لان طبقتها الحاكمة كانت متدربة على استيعاب المعنى العام، شبه الحدسي لمصلح البلد المنيعة والثابتة)

كثيرا ما يجري في هذه الأيام توجيه اللعنات إلى هذه المبادئ لوستفالية بوصفها منظومة استغلال كلبي للقوة، عديمة المبالاة بالمتطلبات الأخلاقية - المعنوية، غير أن البنية التي رسخها سلام وستفاليا كانت تمثل المحاولة الأولى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت