الإدارة الأجنبية، الحرب الطائفية من الجميع ضد الجميع - قبل أن يتوصل (إذا كان سيفعل بالمطلق) إلى مفهوم ثابت للنظام العالمي. وإلي أن ينجز ذلك، سيبقى الإقليم مشيوا بالتناوب نحو الالتحاق بركب الأسرة العالمية والكفاح ضدها.
خرج التنظيم المبكر للشرق الأوسط وشمال إفريقيا من رحم سلسلة متعاقبة من الإمبراطوريات، كل منها كانت ترى نفسها مركز الحياة المتحضرة؛ كل منها قامت حول معالم جغرافية موحدة ثم ما لبثت أن توسعت في الأصقاع غير المستوعبة بينها، ففي الألف الثالث قبل الميلاد، قامت مصر بعد نفوذها مع النبل إلى سودان اليوم، وبدا بالفترة ذاتها نجحت إمبراطوريات ما بين النهرين، سومر، وبابل في تعزيز حكمها بين الأقوام المقيمة على امتداد نهري دجلة والفرات. في القرن السادس قبل الميلاد نهضت الإمبراطورية الفارسية على الهضبة الإيرانية وطورت نظام حكم ظل بوصف ب"المحاولة المدروسة الأولى في التاريخ التوحيد جماعات إفريقية، آسيوية، وأوروبية غير متجانسة وإذابتها في بوتقة مجتمع دولي منظم، موحد، مع حاكم اختار لنفسه لقب الشاهنشاه"ملك الملوك"."
مع حلول نهاية القرن الميلادي السادس، كانت إمبراطوريتان عظيمتان تهيمنان على جزء كبير من الشرق الأوسط الإمبراطورية البيزنطية (الرومانية الشرقية) وعاصمتها القسطنطينية متنقة الديانة المسيحية (وفق المذهب الأرثوذكسي) ، من جهة، والإمبراطورية الساسانية الفارسية وعاصمتها في ستسيفون (Ctesiphon) القريبة من بغداد اليوم، التي كانت تمارس الزرادشتية، من جهة ثانية. كانت الصراعات قد نشبت بينهما على نحو متقطع طوال قرون من الزمن، وفي 602 م، بعيد نخريب الطاعون لكلتيهما أقضى غزو فارسي للمناطق البيزنطية إلى حرب دامت خمسة وعشرين عاما اختيرت فيها كل من الإمبراطوريتين ما تبقى لها من قوة، وبعد انتصار بيزنطي نهائي، تمخض الإنهاك عن السلام الذي كانت السياسة قد أخفقت في بلوغه. كما أدي في الوقت نفسه إلى فتح الطريق أمام الانتصار النهائي للإسلام، ففي المناطق الغربية من شبه الجزيرة العربية، في