ولذلك ضرب إسحاق مثالًا بمرويات أيوب عن نافع عن ابن عمر ولم يضرب مثالًا بأيوب نفسه.
وفي تقديري أن هذا التوثيق لا يحصل لكل الرواة، لأن من الرواة الثقات من يروي عنه ثقة، ولا يصح حديثه لسبب آخر كالشذوذ والاضطراب والإدراج ـ والله أعلم ـ.
الأمرالثاني: إن تعميم القول بأن رواية الثقة عن الضعيف لا تعتبر توثيقًا له لا يتفق مع منهج المحدثين، لأن من الثقات من لم يرو إلا عن ثقة والتزم ذلك كالإمام مالك، وابن أبي كثير، فإن روى عن ضعيف فهو ثقة عنده ضعيف عند غيره.
قال يحيى بن معين: كل من روى عنه مالك فهو ثقة إلا عبد الكريم، يعني ابن أبي المخارق.
وقال ابن حبان في الثقات: كان مالك أول من انتفى الرجال من الفقهاء بالمدينة، وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث، ولم يكن يروي إلا ما صح، ولا يحدث إلا عن ثقة مع الفقه والدين والفضل والنسك [1] .
وقد أفرد التهانوي - رحمه الله - مبحثًا في كتابه قواعد في علوم الحديث بعنوان: فائدة في ذكر جماعة من الأئمة لا يروي كل واحد منهم إلا عن ثقة [2] .
فإن كان الثقة لم يلتزم التحديث عن الثقات فإن روايته عنه ليست توثيقًا له، لا عنده ولا عند غيره، لكن رواية الثقة عن المجهول تقوية له، وقد عقد لهذا الإمام ابن أبي حاتم - رحمه الله - بابًا في مقدمة كتابه «الجرح والتعديل» فقال: باب في رواية الثقة عن غير المطعون عليه، أنها تقويه، وعن المطعون عليه أنها لا تقويه، ثم قال بعد هذا:
سألت أبي عن رواية الثقات عن رجل غير ثقة مما يقويه؟ قال: إذا كان معروفًا بالضعف لم تقوه روايته عنه، وإذا كان مجهولًا نفعه
(1) تهذيب التهذيب 10/ 7.
(2) قواعد في علوم الحديث 216.