وجعله الدرجة الثالثة في كل باب من أبوابه. وليس مرادهم فناء وجود ما سوى الله في الخارج، بل فناؤه عن شهودهم وحسهم، فحقيقته غيبة أحدهم عن سوى مشهوده، بل غيبته أيضًا عن شهوده ونفسه، لأنه يغيب بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبموجوده عن وجوده، وبمحبوبه عن حبه، وبمشهوده عن شهوده.
وقد يسمى حال مثل هذا سكرًا واصطلامًا ومحوًا وجمعًا. وقد يفرقون بين معاني هذه الأسماء، وقد يغلب شهود القلب بمحبوبه ومذكوره حتى يغيب به ويفنى به، فيظن أنه اتحد به وامتزج، بل يظن أنه هو نفسه، كما يحكى أن رجلًا ألقى محبوبُه نفسَه في الماء فألقى المحب نفسه وراءه، فقال له: ما الذي أوقعك في الماء؟ فقال: غبت بك عني فظننت أنك أني!
وهذا إذا عاد إليه عقله يعلم أنه كان غالطًا في ذلك، وأن الحقائق متميزة في ذاتها: فالرب رب، والعبد عبد، والخالق بائن عن المخلوقات، ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته. ولكن في حال السكر والمحو والاصطلام والفناء قد يغيب عن هذا التمييز، وفي هذه الحال قد يقول صاحبها ما يحكى عن أبي يزيد أنه قال:"سبحاني"أو"ما في الجبة إلا الله"ونحو ذلك من الكلمات التي لو صدرت عن قائلها وعقله معه لكان كافرًا.
ولكن مع سقوط التمييز والشعور قد يرتفع عنه قلم المؤاخذة.
على أن ابن القيم يمضي ليبين حال من هذه حاله، فيقول