فهرس الكتاب

الصفحة 99 من 106

غريبًا" [1] . وأنا وإن كنت أُسيغ موقف الذهبي هذا، فإني لا أزال أقول: إن سلوكًا يوصل المرء إلى القول بمثل هذا الكلام المخالف للشريعة لا خير فيه ولا نفع يرتجى منه، وتحضرني في هذا المقام كلمة نقلها ابن الجوزي عن بعض السلف، يمكن تنزيلها على ما نحن بصدده، وهي قوله:"من ادعى بُغضَ الدنيا فهو عندي كذاب إلى أن يثبت صدقُه، فإذا ثبت صدقه فهو مجنون" [2] ."

مسألة تأويل شطحات الصوفية ليست بالمسألة الهينة، إذ ليس لما يمكن تأويله حد معروف وصفات بادية، ولذلك فقد وقع في كلام العلماء اختلاف كبير في هذا الصدد، فبينما نجد عددًا منهم يمنع التأويل مطلقًا، ويرى أنه لا يؤول إلا كلام الأنبياء لعصمتهم، نجد آخرين ومنهم الآلوسي يؤول بعض هذه الشطحات، ويتوقف في بعض، كما مر آنفًا.

ولم يكن الآلوسي بدعًا في موقفه هذا، فهذا ابن قيم الجوزية، وهو من أئمة المتمسكين بمذهب السلف، يتأول للصوفية شطحاتهم، وذلك في كلامه في مبحث الفناء في كتابه الشهير مدارج السالكين، وإني ناقل منه هذه القطعة وإن طالت لأهميتها البالغة في تجلية موقفه من مثل هذه الشطحات وشرطه في قبولها، يقول:"وأما الفناء عن شهود السوى فهو الذي يشير إليه أكثر الصوفية المتأخرين ويعدونه غاية، وهو الذي بنى عليه أبو إسماعيل الأنصاري كتابه"

(1) التفسير والمفسرون 2/ 374

(2) صيد الخاطر 157

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت