فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 106

وردًّا، بعين غيرِ تلك العين، فقد زال بحمد الله عنها بعضُ الغَين. وما هي إلا أن طالعتُ ما رُقِم في خطبةِ الكتاب، حتى رأيتُني كالمريدِ بين يدي وتدٍ أو قطبٍ من الأقطاب، إذ كلامُ السادةِ الصوفيةِ في كل صحيفةٍ من صحائفِهِ حاضرٌ باد، وأشعارُهم فيه يُبدأ بها في كل حينٍ ويُعاد، ناهيك بما يُلِمُّ به من عجيب أحوالهم، وما يلوذ به من ذكر ذوقهم ووجدانهم. فذكرتُ ما كنت أعلمُ قبلُ من نصرته لدعوة ابن عبد الوهاب، ضرغامِ الأجمةِ السلفية وأسدِها الجوّاب، الذي لم يدعْ لنقض التصوف الفلسفي طريقًا إلا وَلَجَه، ولا ترك بابًا يُفضي إليه إلا أرْتَجَه، فقدِمتُ إلى بعض تراجمه أتبينُ فيها عجيبَ أمرِه، وأعرفُ منها ما خفي من سرِّهِ وجهرِه، فألفيتُها تؤكد ذلك الأمرَ تأكيدًا، وتردّدُ القول فيه ترديدًا، فوقعتُ واللهِ في حيرةٍ من أمري، استحوذتْ لحينٍ من الدهر على عقلي وفكري، ودفعتني للمضيّ مع شيخِ آلوسَ في كتابِه، بعد أن طال بي الوقوفُ على أعتابِه، فما عتّمتُ أن رأيتُ عنده من العجب العجاب، ما شحذ همتي وفتح أمامي مُوصَدَ الأبواب، ولم أزل متهيبًا من خوض لجة ذلك البحر المتلاطم الأمواج، خشية الوقوع بين أنياب الغلط وبراثن الإحراج، ناهيك بالحيرة في التعليل، وخوف الانقطاع في وسط السبيل، حتى قضى الله بأمره أن أشرع فيه، بعد أن استوفيتُ مقاصده واستبانت لي مراميه، فشمرتُ له عن ساعد الجد تشميرًا، بعد أن خمّرتُ في ذهنيَ الفكرةَ تخميرًا، ثم رحتُ أُنَقِّر عن هذا التناقض المريب، وأنظر في ذلك الجمع الغريب العجيب، فكان مما ترى من هذا البحث المتواضع، ما عسى أن ينتفع به القارئ المُطالع، وقد قسّمته إلى مقدمة وثلاثة مباحثَ وخاتِمة، سائلًا المولى الثباتَ على الإيمان وحُسْنَ الخاتمة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت