كلمة في ابن عربي [1]
لعل رجلًا لم يختلف الناس فيه اختلافهم في ابن عربي صاحبِ الفتوحات المكية وفصوص الحكم، فهم فيه على الدهر بين قادح ومادح، ومحقر ومُجِلّ، ومكفّر ومقدّس. وما ذاك إلا لما تزخر به كتبه ورسائله، ولا سيما الفصوص، من كلام لم ير كثير من الأجِلّة في ظاهره إلا الكفر البواح، وان اجتهد آخرون في تأويله وصرفه عن ظاهره، وحملوه وجوهًا من التأويل يُسيغها العقل حينًا، ويأباها أحيانًا [2] . ففيما يقول فيه العز بن عبد السلام:"هو شيخ سوء كذاب، يقول بقدم العالم ولا يُحرّم فرجًا" [3] ، ويرى ابن تيمية أنه وأمثاله من الملاحدة [4] ، فإننا نجد من يؤلف في مدحه والثناء عليه، كالشيخ عبد الغني النابلسي، كما نرى الشيخ الصوفي عبد الله الرومي البوسني يصفه بـ"الشيخ الكامل، والخير الفاضل، خاتم الولاية الخاصة المحمدية، كاشف"
(1) هو محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله الحاتمي.
(2) 64 حتى إنك لتجد عالمًا كالبوطي مثلًا، وناهيك به في الانتصار للتصوف، وإن كان يحاول الابتعاد عن هذه التسمية، يقر بأن كتب ابن عربي مشتملة على كلام يستوجب الكفر، وعبارته في ذلك:"أما أن يكون في كتب ابن عربي كلام كثير يخالف العقيدة الصحيحة ويستوجب الكفر، فهذا ما لا ريبة ولا نقاش فيه". إلا أنه يخالف ابن تيمية في تكفير ابن عربي. انظر: السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، ص 204 حاشية رقم 1. وكان الشيخ محمد عبده يقول إن التفسير المطبوع في مجلدين المنسوب إلى الشيخ محيي الدين بن عربي هو للكاشاني الباطني. وقد ذكر الشيخ محمد رشيد رضا أن بعض العلماء يقولون إن الفتوحات المكية والفصوص أشهر مصنفات الشيخ محيي الدين فيها كثير من دسائس الباطنية، فإن لم يكن كذلك فهو من أكبر زعماء الباطنية أو أكبرهم على الإطلاق. انظر: تاريخ الأستاذ الإمام، الجزء الأول، القسم الأول، ص 116.
(3) الفتوحات المكية 1/ 17
(4) وذلك في قوله عن الحيرة:"وإنما مدحها طائفة من الملاحدة، كصاحب الفصوص ابن عربي وأمثاله من الملاحدة، الذين هم حيارى، فمدحوا الحيرة وجعلوها أفضل من الاستقامة"، انظر: مجموع الفتاوى 11/ 384 - 385، وللوقوف على من ساء ظنه في ابن عربي ينظر كتاب برهان الدين البقاعي الموسوم بمصرع التصوف أو تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي.