مثال ذلك ما قرَّره الإمام عند تفسيره لقوله تعالى: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ .. } [البقرة: أية 51] ، من أنَّ مفعول (الاتخاذ) الثاني محذوف دائمًا في القرآن الكريم، فقال ما نصه:
".. وَحَذَفَ مفعولَ الاتخاذِ الثانيَّ، وهو محذوفٌ في جميعِ القرآنِ، وتقريرُ المعنى: ثم اتخذتم العجلَ من بعده، أي: من بعدِ موسى لَمَّا ذَهَبَ إلى الميقاتِ، أي: اتخذتم العجلَ إِلَهًا. وهذا المفعولُ الثاني محذوفٌ في جميعِ القرآنِ {إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ} [البقرة: أية 54] أي: إِلَهًا. {وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا} [الأعراف: أية 54] ، أي: إلها. فهذا المفعولُ الثاني الذي تقديرُه (إلهًا) محذوفٌ في جميعِ القرآنِ. قال بعضُ العلماءِ: النكتةُ في حذفِه التنبيهُ على أنه لا ينبغي لعاقلٍ أن يتلفظَ بأن عِجْلًا مُصْطَنَعًا من حُلِيٍّ أنه إِلَهٌ".
تحليل لمنهج الإمام الشنقيطي في استقراءه للقرآن الكريم من خلال المثال السابق:
1.يشير الإمام إلى استقرائه للقرآن الكريم لتقرير أمرٍ ما باستخدام عدة أساليب منها ما ذكره في هذا المثال بقوله:"وهذا المفعولُ الثاني محذوفٌ في جميعِ القرآنِ" [1] وأحيانًا يقول:"وجرت عادة القرآن .." [2] ، و"والذي يظهر من استقراء القرآن العظيم واللغة العربية .." [3] ، و"دَلَّ استقراءُ القرآنِ العظيمِ على أن .." [4] ونحو ذلك من الأساليب.
2.بعد استقراء القرآن يحرص الإمام على أن يقرر المعنى مستندًا على نتيجة استقرائه للقرآن الكريم، ويتضح ذلك في قوله:"وتقريرُ المعنى: ثم اتخذتم"
(1) انظر: الشنقيطي، العذب النمير، 1/ 81.
(2) انظر: الشنقيطي، العذب النمير، 1/ 55.
(3) انظر: المرجع السابق، 5/ 62.
(4) انظر: المرجع السابق، 5/ 405