أما مدرسته الثانية فقدأخذ منها بقية الفنون على علماء متعددين، في فنون مختلفة، وكلهم من قبيلته الجكنيين، حيث درس مختصر خليل في الفقه المالكي، والنحو، والصرف، والأصول، والبلاغة، وبعض التفسير والحديث. أما المنطق وآداب البحث والمناظرة فقد حصَّلها بالمطالعة. [1]
وكان حريصًا على طلب العلم جادًا فيه، حتى أنَّ بعض أقرانه خاطبه في أمر الزواج فأجابهم بأبيات منها: [2]
فقلت لهم دعوني إن قلبي ... من العي الصراح اليوم صاحي
ولي شغل بأبكار عذارى ... كأن وجوهها ضوء الصباح
أراها في المهارق لابسات ... براقع من معانيها الصحاح
أبيت مفكرا فيها فتضحى ... لفهم الفدم خافضة الجناح
أبحت حريمها جبرا عليها ... وما كان الحريم بمستباح
وكان الإمام ذا همة عالية في طلبه للعلم لا يتجاوز المسألة إلا وقد شفى غليله منها فهمًا واستيعابًا حتى وإن كلفه ذلك الوقت الطويل والجهد الكبير، من ذلك ما يحكيه عن نفسه فقول:
"جِئْتُ للشيخِ في قراءتِي عليه، فَشَرَحَ لي كما كان يشرحُ، ولكنه لم يَشْفِ ما في نفسي على ما تَعَوَّدْتُ، ولم يَرْوِ لي ظَمَئِي، وقمتُ من عنده وأنا أَجِدُنِي في حاجةٍ إلى إزالةِ بعضِ اللبسِ، وإيضاحِ بعضِ المُشْكِلِ، وكان الوقتُ ظُهْرًا، فأخذتُ الكتبَ والمراجعَ، فَطَالَعْتُ حتى العصرِ، فلم أَفْرَغْ من حاجتِي، فعاودتُ حتى المغربِ، فلم أَنْتَهِ أيضًا، فَأَوْقَدَ لِي خَادِمي أعوادًا من الحطبِ أقرأُ على"
(1) انظر: المرجع السابق، 9/ 482.
(2) انظر: المرجع السابق، 9/ 486.