فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 206

وعلى هذا المعنى فسر الإمام لفظة (َيظُنُّونَ) في الأية 116 من سورة الأنعام. وفي ذلك يقول الإمام:

"والظنُّ يُطْلَقُ في القرآنِ وفي لغةِ العربِ فإطلاقين [1] :"

أَحَدُهُمَا: يُطْلَقُ (الظنُّ) على الشكِّ المستوي الطرفين. وكونُ الظنِّ جُلُّ الاعتقادِ اصطلاحٌ حادثٌ للأُصُولِيِّينَ والفقهاءِ، أما لغةُ العربِ فتطلِقُ الظنَّ إطلاقين، وهما في القرآنِ: أحدُهما: إطلاقُ الظنِّ بمعنَى الشكِّ، ومنه قولُه هنا: {إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ} [النجم: أية 28] الشكُّ في تقليدِ آبائِهم، وهذا الظنُّ- الذي هو شَكٌّ- هو المرادُ في قولِه: {إِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا} [النجم: أية 28] {وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنًّا} [يونس: أية 36] .

الثاني من إطلاقِ (الظنِّ) في القرآنِ: هو إطلاقُ الظنِّ مُرَادًا به اليقينُ، وهذا كثيرٌ أيضًا في القرآنِ وفي كلامِ العرب، فَمِنْ إطلاقِ الظنِّ مرادًا به اليقينُ في القرآنِ: {قَالَالَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو اللَّهِ} [البقرة: أية 249] أي: يُوقِنُونَ أنهم ملاقُو اللَّهِ {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاَقُو رَبِّهِمْ} [البقرة: أية 46] {إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيهْ} [الحاقة: أية 20] أي: أَيْقَنْتُ ذلك: {وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا} أي: أَيْقَنُوا {أَنَّهُم مُّوَاقِعُوهَا} [الكهف: أية 53] . ومن إطلاقِ الظنِّ في لغةِ العربِ بمعنَى اليقينِ: قول دُريدِ بنِ الصِّمَّةِ الجُشَميِّ [2] حيث قال:

فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بِأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ ... سَرَاتُهُمْ فِي الْفَارِسِيِّ الْمُسرَّدِ [3]

(1) انظر: الفيروزآبادي، القاموس المحيط، باب النون، فصل الظاء، مادة (ظن) ، 3/ 345.

(2) هو دريد بن الصَّمة الجشمي، من جُثم بن سعد بن بكر، عاش نحوا من مائتي سنة، حتى سقط حاجباه على عينيه، وأدرك الإسلام ولم يسلم، وقتل يوم حنين كافرا، وإنما خرجت به هوازن تتيَّمن به. انظر: السجستاني، سهل بن محمد، المعمرون والوصايا، ترقيم المكتبة الشاملة الإلكترونية، 1/ 8.

(3) انظر البيت في: القرشي، أبو زيد محمد بن أبي الخطابي، جمهرة أشعار العرب، ترقيم المكتبة الشاملة الإلكترونية، 1/ 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت