طالما أنه لا دليل عليها من كتاب أو سنة. كما أنه كان يعيب على المفسرين الإكثار منها والولوع بتتبعها وإضاعة الوقت والجهد فيما لا طائل تحته، ويُذكِّر بأن المنهج السليم هو الاقتصار على ما ثبت بنص القرآن أو السنة ففيهما البيان الكامل والإيضاح التام.
مثال ذلك ما ذكره الإمام عند تفسيره لقوله تعالى: {فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ} [البقرة: الأية 73] ، حيث بين أن المفسرين اختلفوا في تحديد ما المراد بكلمة (بِبَعْضِهَا) ، فمنهم من قال: لسانها، وقيل: فَخِذُهَا، وقيل: عَجْبُ ذَنَبِهَا. وقيل: الغضروفُ، غضروفُ الأُذُنِ، ثم علق على ذلك بقوله:
"والحقُّ أن هذا البعضَ الذي ضَرَبُوهُ به منها لا دليلَ عليه، ولا جَدْوَى في تَعْيِينِهِ. وَكَثِيرًا ما يُولَعُ المفسرون بالتعيينِ في أشياءَ لم يَرِدْ فيها دليلٌ من كتابٍ ولا سُنَّةٍ، ولا جَدْوَى تحتَ تَعْيِينِهَا، فَيَتْعَبُونَ بما لا طائلَ تَحْتَهُ، كاختلافِهم في خشبِ سفينةِ نوحٍ من أَيِّ شجرٍ هو؟ وكم كان عرضُ السفينةِ؟ وطولُها؟ وكم فيها من الطبقاتِ؟ وكاختلافِهم في الشجرةِ التي نُهِيَ عنها آدمُ وحواءُ، أَيُّ شجرةٍ هي؟ وكاختلافهم في كلبِ أصحابِ الكهفِ ما لَوْنُهُ، هل هو أسودُ أو أصفرُ؟ وكثير من هذه الأمورِ التي يُولَعُونَ بها ولا طائلَ تَحْتَهَا، ولا دليلَ عليها من كتابٍ وسنةٍ. غايةُ ما دَلَّ عليه القرآنُ: أنهمضربوه ببعضٍ مِنْ تلكَ البقرةِ غيرَ مُعَيَّنٍ" [1] .
وفيما يلي مثال على إيراده لقصة إسرائيلية مع تنبيهه عليها من قبل ومن بعد، فعند تفسيره لقوله تعالى: {وَنَادَى أَصْحَابُ الأَعْرَافِ رِجَالًا} [الأعراف: أية 48] قال:
"وستأتي قصة الرجل في سورة الصافات؛ لأن الله ذكر في الصافات قصة رجل وأجملها، والمفسرون يبسطونها ويشرحونها، إلا أن شرحهم لها وبسطها من"
(1) الشنقيطي، العذب النمير، 1/ 146 - 147.