من كانوا ضده و خلى سبيلهم و أجزل العطاء لمن بقوا في صفه و أكرم العلماء و الأولياء و أهل البيت عليهم السلام وأحكم أمره و صلح أمر الدولة و انتظمت الأمور و عادت لنصابها بعد أن ضعفت الأسباب و انعدم الأمن و فقدت الحيل و بقي العباسيون من زمن المتوكل في قهر طويل و ضعف متواصل، تغلب عليهم الأتراك و ألبسوهم لباس الذل و الصغار إلى أن ولي هذا الصبي المقتدر العباسي و بعد أن أجمع الخاصة و العامة على خلعه مرارا من غير مدافع عنه سوى الله تعالى الذي شاء إلا أن ينصره على أعدائه و يحكمه فيهم وهو سبحانه الذي يوفي المسكين المومن المنكسر القلب بما يناسبه بسبب ضعف أو صغر سنة أو قلة أنصار؛ فسرح بصيرتك للنزهة في روض هذه القضية و عظم الأحكام الإلهية فله الحكم أولا و آخرا لا إله إلا هو إليه المصير.
و من الأسباب الظاهرة بنصر الأمير المقتدر إفراطه في بر والدته فإنه كان مع اتساع دولته و بذخ مملكته و اتصاله بما لم يتصل به ملك قبله فإنه مع هذا كله كان يستشير أمه و لا يحيد عن أمرها فيما لا يرضي الله تعالى و يقدمها في الأمور كلها و لا يرفع صوته عليها و لا يمشي أمامها و لا يجلس قبلها و كان يرضيها في خالاته فيحسن إليهن و يبذل لهن فكان رضى أمه سلاحه الذي يضرب به أعداءه و سيفه الذي لا ينكسر و سهمه الذي لا يؤوب و بهذا اخبرت أيضا عن بعض أمراء بني مرين من بني محيو الزناتي أنه لما ماتت والدته لبس سلاحه و قال:"أني مالك و الملك مطلوب و كانت أمي سلاحي الذي تحصنت به و اليوم ليس لي سلاح غير الذي ترونه"و كان لا يقطع أمرا إلا بمشورتها و رأيها و أسلم لها تدبير الملك فاشتغلت به و قدمت لوزارة ولدها ذوي الكفاءة ممن كانوا تحت يدها من بني الفرات و بني الجراح الذين كانوا من النجباء العدل و غيرهم في بيت الكتابة و الحجابة و الوزارة، و ذكر الطبراني أن أم المقتدر أمرت قهرمانة لها أن تجلس بالرصافة للمظالم فتنظر في كتب الناس و أمورهم و كان لها عقل و دين و تعظيم لأهل البيت فأكرمها الله تعالى بالخير و ولاها في ذلك