الأمر ناصحين لخدمتها يوصلون لها الأمور على ما هي عليه من غير كذب و لا زيادة و لا نقصان و لا خيانة و لا تبديل و لا تحريف، فتمضي في ذلك الأمر بالحق و العدل الذي يرضى به الحق عز وجل على الشريعة المحمدية، فاستقامت أمور الخلق مدة لأجل برور الأم بأهل البيت الكريم و رفع المظالم عنهم و الانتصار لهم و للضعفاء من الرعية و كانت ترى ذلك واجبا لهم، و أما ابن المعتز فقد كانت أمه متغلبة عليه و كان لها وسائط غرارة لا تصدقها القول و لا تنصحها الفعل بل تصول بحسب أغراضها القبيحة؛ فجرت عليه الخراب و الهلاك، حتى كان من ذلك خلعه و قتله و لله عاقبة الأمور.
و بهذا الوصف الذي ذكرنا وجب أن تكون عليه أمهات الأمراء الحاكمين من النصح و الصدق لأبنائهم الملوك حتى لا يغيب عنهم شيء من أحوال رعيتهم و التقيد بالحق و العدل فإذا تظافر ذلك فقد أجرى الله عادته بإطالة الدولة و تمهيدها و جمع شمل العوالم بها و سمو الصلاح و الرخاء و الأمن و العافية فيها و التفرغ لمصالح الدنيا و الدين و الحصول على السعادة الآجلة و العاجلة.
و ممن أطنب في وصف دولة المقتدر و ما كان فيها من بذخ و إسراف لم يعهد مثله في دولة قبلها الحافظ ابن الجوزي في تاريخه فقد وصف تلك القصور و ما زينت به حين قدم رسول ملك النصارى للمدينة فأكرمه إكراما يعجز عنه الوصف في الدواوين و لا يصدق أهل الزمان بمثله لولا عدل الناقل و حصول الوثوق بقوله لشهرة صدقه غير أن العقلاء و أهل التجربة الصحيحة و الفراسة الصادقة قالوا أن الدولة إذا اهتمت بالطرق و الذخائر وقصرت همتها على الحلي و الحلل و ثياب الديباج المذهبة و ستور الحرير و الفرش الهائلة و المباني المشيدة دل ذلك على تحلل تركيبها و اضمحلال ضخامتها و فناء رونقها و حصنها و نقصان كمالها و مال أمدها إلى الدثور و الدمار و أما إذا صحب الدولة الاقتصاد في الانفاق و التقليل من المؤونة و العدل في الرعية و اختيار الخدن و انتقاءه و الاقتصار فيه بقليل النفع عن كثير المنونة و قليل المنعة فإن عاقبة هذا