فهرس الكتاب
وقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا جَعَلُوهَا بَيْنَ الْفَتْحِ وَالْكَسْرِ إِعْلامًا بِجَوَازِ الْوَجْهَيْنِ: الإِمَالَةِ وَتَرْكِهَا.
وَقَرَأَ حَمْزَةُ والْكِسَائِيُّ كُلَّ ذَلِكَ بِالإِمَالَةِ إِلاَّ مَا كَانَ مِنْهَا مِنْ ذَوَاتِ الْوَاوِ، فَإِنَّ حَمْزَةَ يَفْتَحُهَا نَحْوُ {دَحَاهَا} فِي النَّازِعَاتِ وَ {تَلاهَا} وَ {طَحَاهَا} فِي الشَّمْسِ وَ {سَجَى} فِي الضُّحَى وَنَحْوِهِنَّ؛ لأَنَّكَ تَقُولُ دَحَوْتُ وَطَحَوْتُ وَتَلَوْتُ.
وَالْوَجْهُ أَنَّ الأَلِفَ إِذَا كَانَتْ مُنْقَلِبَةً مِنَ الْيَاءِ، فَإِنَّهَا تُمَالُ نَحْوَ الْيَاءِ لِتَدُلَّ عَلَيْهَا؛ وَلأَنَّ الأَلِفَ قَرِيبَةُ الْمَخْرَجِ مِنَ الْيَاءِ وَهِيَ أَذْهَبُ فِي بَابِ الاعْتِلالِ مِنَ الْوَاوِ وَالْيَاءِ، فَإِجْرَاءُ الإِمَالَةِ فِيهَا لِذَلِكَ.
وَأَمَّا فَصْلُ حَمْزَةَ بَيْنَ الأَلْفَاتِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْيَاءِ، وَالأَلْفَاتِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْوَاوِ، فَهُوَ حَسَنٌ، وَذَلِكَ لأَنَّ الأَلِفَ إِنَّمَا تُمَالُ نَحْوَ الْيَاءِ لِتَكُونَ إِمَالَتُهَا نَحْوَهَا دَالَّةً عَلَيْهَا، فَأَمَّا إِذَا كَانَتِ الأَلِفُ مِنَ الْوَاوِ وَلَمْ تَكُنْ مِنَ الْيَاءِ لَمْ يَجِبْ أَنْ تُمَالَ، فَلِذَلِكَ تَرَكَ إِمَالَةَ {دَحَاهَا} وَ {طَحَاهَا} ؛ لأَنَّهَا مِنَ الْوَاوِ.
وَقَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَعَاصِمٌ ويَعْقُوبُ كُلَّ ذَلِكَ بِالْفَتْحِ.
وَالْوَجْهُ أَنَّ الإِمَالَةَ حُكْمٌ جَائِزٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَكَثِيرٌ مِنَ الْعَرَبِ لا يُمِيلُونَ شَيْئًا، ثُمَّ إِنَّ الإِمَالَةَ إِنَّمَا جَاءَتْ حَيْثُ جَاءَتْ لِتَدُلَّ عَلَى مَا انْقَلَبَتِ الأَلِفُ عَنْهُ مِنَ الْيَاءِ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ الدَّلالَةُ بِوَاجِبَةٍ فَإِنَّ الْوَاوَ فِي مُوسِرٍ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الْيَاءِ، وَالْيَاءُ فِي مِيعَادٍ وَمِيقَاتٍ مُنْقَلِبَةٌ عَنِ الْوَاوِ، وَلَمْ يَلْزَمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ دَلالَةٌ تَدُلُّ عَلَى مَا انْقَلَبَتْ مِنْهُ، فَكَذَلِكَ الأَلِفُ لا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ فِيهَا دَلالَةٌ عَلَى ما هِيَ مُنْقَلِبَةٌ مِنْهُ، فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تُتْرَكَ غَيْرَ مُمَالَةٍ.