والثاني: مؤلفاته الكثيرة التي اعتنت بالدعوة إلى الله وذكرت أفضل السبل في ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة. وإذا كان لابن سعدي ميزة على أقرانه ومعاصريه في قضايا الدعوة إلى الله؛ فهي أنه فهم النصوص الشرعية وفهم الواقع الذي يعيشه، فجمع بين فقه النص وفقه الواقع، وهذا ما جعل قدمه راسخة في هذا المجال. ولكي تتَّضح الصورة أكثر؛ ننقل طرفًا من كلامه حول الدعوة وأساليبها وطرقها والبصيرة بحال المدعو وواقعه. يقول رحمه الله تعالى: (إن دعوة الخلق ـ سواء المسلم والكافر ـ إلى سبيل الله المستقيم المشتمل على العلم النافع والعمل الصالح بالحكمة أولًا كما أمر الله بذلك، والحكمة أي كل أحد حسب حاله وفهمه وقبوله وانقياده، ومن الحكمة الدعوة بالعلم لا بالجهل، والبداءة بالأهم فالأهم، فالأقرب إلى الأذهان والفهم، وبما يكون قبوله أتم، وبالرفق واللين، فإن انقاد بالحكمة، وإلا فبالدرجة الثانية، وهي الدعوة بالموعظة الحسنة، والموعظة الحسنة هي الأمر والنهي المقرون بالترغيب والترهيب... ثم إذا كان المدعو يرى أن ما هو عليه حق، أو كان داعية إلى ضلال؛ فبالدرجة الثالثة، وهي المجادلة بالتي هي أحسن، وهي الطريق التي تكون أدعى للاستجابة عقلًا ونقلًا، ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي يعتقدها؛ فإنه أقرب إلى حصول المقصود....) [1] .
ويقول في موضع آخر يربط فيه بين الجهاد والدعوة وأنهما متلازمان: (...فإن من أعظم الجهاد: السعي في تحقيق هذا الأصل في تأليف قلوب المسلمين، واجتماعهم على دينهم ومصالحهم الدينية والدنيوية، في جمع أفرادهم وشعوبهم، وفي ربط الصداقة والمعاهدات بين حكوماتهم بكل وسيلة...) [2] .
(1) تيسير الكريم الرحمن) (4/654ـ 655) .
(2) وجوب التعاون بين المسلمين) (ص5) .