68 -قوله (قط) : «وَتَرَكَ أَيْضًا مِنْ نُسْخَةِ الْعَلَاءِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ» . اهـ
• قلتُ: في هذه الإلزامات لا يتعرض الدارقطني لمتون الأحاديث وإنما للأسانيد. ولذلك فإنه يرى أنَّ الشيخين أو أحدهما إذا أخرجا أحاديث مِن نسخةٍ مشهورةِ السند، صار لزامًا عليهما أن يُخرجا بقية أحاديث النسخة. وهذا إنما يُسَلَّم للدارقطني إذا تبيَّنَّا أمرين. الأول: ألاَّ تكون هذه الأحاديث المتروكة قد أَخرجا نظائرَ لها في كتابيهما، فيكونان حينئذٍ قد استغنيا عن إيرادها بما قام مقامها. والثاني: ألاَّ تكون هذه الأحاديث شاذةً أو معلولة، فيكونان حينئذٍ قد تركاها لعدم صلاحيتها للإيراد. فهذان هما الأمران اللذان يَرِدَان على إلزامِ الدارقطني فيما يخصُّ تلك النُّسَخ: فإنَّ الإمامَ إذا تَرَكَ حديثًا مِن هذه النسخة أو تلك ثم أَخرجه في كتابه بإسنادٍ آخر، فلا وجه حينئذٍ لإلزامه بإخراج ذلك الحديث عينه إذ المتن المقصود مخرَّجٌ بالفعل. وإذا تَرَكَ حديثًا وكانت فيه عِلَّةٌ تقدح في ثبوته، فلا وجه أيضًا لإلزامه بإخراجه مع كونه معلولًا.
فإذا خلا الحديثُ المستدرَك مِن هذين الأمرين، كان للنظر مجالٌ فيه: هل هو مِن أحاديث الأحكام؟ أم مِن المواعظ والقصص ونحوها؟ فإن كانت الأولى، فيُنظر هل رجَّحا - أو أحدهما - غيرَه عليه. وإن كانت الثانية، فالباب واسع. وسنتكلم لاحقًا على تفريق الأئمة بين أحاديث الأحكام وبين غيرها مِن الأحاديث، وكذلك التفريق بين أصول الأبواب وبين المتابعات والشواهد.
فأمَّا نسخة العلاء هذه، فقد أخرج مسلم مِنها أحاديث مِن رواية: عبد العزيز الدراوردي ( [1] ) وروح بن القاسم ( [2] ) وإسماعيل بن جعفر ( [3] ) وأخيه محمد بن جعفر ( [4] ) وشعبة ( [5] ) ومالك بن أنس ( [6] ) وحفص بن ميسرة ( [7] ) وابن جريج ( [8] ) وابن عيينة ( [9] ) وسليمان بن بلال ( [10] ) وأبي أويس ( [11] ) وأبي زكير ( [12] ) . والعلاء هذا مِن أهل الصدق واختُلف في الاحتجاج بحديثه، وهو له أفرادٌ لا يتابع عليها. وأكثرُ ما يُخرج له مسلم في المتابعات، وما احتَجَّ به مِن حديثه فليس مِمَّا يُستنكر.
قال الحاكم ( [13] ) : «القسم الرابع مِن الصحيح المتفق عليه: هذه الأحاديث الأفراد الغرائب التي يرويها الثقات العدول، تفرَّد به ثقةٌ مِن الثقات وليس لها طرقٌ مخرجةٌ في الكتب. مثل حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إذا انتصف شعبان، فلا تصوموا حتى يجيء رمضان} . وقد خرَّج مسلم أحاديث العلاء أكثرها في الصحيح، وتَرَكَ هذا وأشباهه مِمَّا تفرَّد به العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة» . اهـ وقال الخليلي ( [14] ) : «العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب مولى الحرقة: مدينيٌّ مختلَفٌ فيه، لأنه يتفرَّد بأحاديث لا يتابع عليها. كحديثٍ عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم: {إذا كان النصف مِن شعبان، فلا صوم حتى رمضان} . وقد أخرج مسلم في الصحيح المشاهير مِن حديثه, دون هذا والشواذ» . اهـ
وقال ابن حجر في معرض تقسيمه للأحاديث التي استدركها الحاكم على الشيخين ( [15] ) : «القسم الثاني: أن يكون إسنادُ الحديث قد أخرجا لجميعِ رواته، لا على سبيل الاحتجاج بل في الشواهد والمتابعات والتعاليق أو مقرونًا بغيره. ويلحق بذلك ما إذا أخرجا لرجلٍ وتَجَنَّبَا ما تفرَّد به أو ما خالف فيه: كما أخرج مسلم، مِن نسخة العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ما لَمْ يتفرَّد به. فلا يَحْسُن أن يقال إنَّ باقي النسخة على شرط مسلم، لأنه ما خرَّج بعضَها إلاَّ بعدما تبيَّن له أنَّ ذلك مِمَّا لَمْ ينفرد به. فما كان بهذه المثابة لا يُلْحَق أفرادُه بشرطهما» . اهـ وهو كما قال.
[1] - صحيح مسلم 57 وغيرها مِن المواضع.
[2] - صحيح مسلم 125 وغيرها مِن المواضع.
[3] - صحيح مسلم 46 وغيرها مِن المواضع.
[4] - صحيح مسلم 59 وغيرها مِن المواضع.
[5] - صحيح مسلم 259 وغيرها مِن المواضع.
[6] - صحيح مسلم 249 و 251.
[7] - صحيح مسلم 2622 و 2959.
[8] - صحيح مسلم 921.
[9] - صحيح مسلم 395.
[10] - صحيح مسلم 2597.
[11] - صحيح مسلم 395.
[12] - صحيح مسلم 59.
[13] - المدخل إلى كتاب الإكليل للحاكم ص39.
[14] - الإرشاد للخليلي 1/ 218 فما بعد.
[15] - النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر 1/ 316.