فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 153

72 -قوله (مس) : «إِلَّا حَدِيثًا أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، فَاقْتَصَرَا عَلَى بَعْضِ الطُّرُقِ دُونَ بَعْضٍ» . اهـ

• قلتُ: كون البخاري قد اقتصر على بعض الطرق دون بعض يؤكِّد مقصده مِن عنوان كتابه الذي قال فيه: «الصحيح المختصر» ، وقد تأثَّر فيه بما حكاه عن سبب تصنيفه لصحيحه بقوله ( [1] ) : «كنتُ عند إسحاق بن راهويه، فقال لنا بعض أصحابنا:"لو جمعتم كتابًا مختصرًا لسنن النبي صلى الله عليه وسلم". فوقع ذلك في قلبي، فأخذتُ في جمع هذا الكتاب» . اهـ وقد أفصح البخاري عن الاختصار المذكور فقال ( [2] ) : «ما أدخلتُ في كتاب الجامع إلاَّ ما صحَّ، وتركتُ مِن الصحاح لحال الطول» . اهـ ويعني بهذه الصحاحِ أحاديثَ المتابعات والشواهد.

قال الخطيب البغدادي ( [3] ) : «وكان مِن أَحْسَنِهم مذهبًا فيما ألَّفه، وأَصَحِّهم اختيارًا لِمَا صنَّفه: محمد بن إسماعيل البخاري. هذَّب ما في جامِعِه جَمَعَه، ولَمْ يَأْلُ عن الحق فيما أَوْدَعَه. غير أنه عَدَلَ عن كثيرٍ مِن الأصول، إيثارًا للإيجاز وكراهةً للتطويل. وإن كان قد غَنِيَ ( [4] ) عن المتروك بأمثالِه، ودَلَّ على ما هو مِن شرطه بأشكالِه. ولَمْ يكن قَصْدُه - والله أعلم - استيعاب طرق الأحاديث كلها ما صحَّ إسناده، وإنما جعل كتابه أصلًا يُؤْتَمُّ به، ومثالًا يستضاء بمجموعه، ويُرَدُّ ما شذَّ عنه إلى الاعتبار بما هو فيه. ويَدُلُّ على ذلك ما أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد الماليني قال: أنبأنا عبد الله بن عدي الحافظ قال: سمعتُ الحسن بن الحسين البخاري يقول: سمعتُ إبراهيم بن معقل يقول: سمعتُ محمد بن إسماعيل البخاري يقول:"ما أدخلتُ في كتابي الجامع إلا ما صحَّ، وتركتُ مِن الصحاح لحال الطوال". وأنبأنا أبو سعد أيضًا قال: أنبأنا عبد الله بن عدي قال: حدثني محمد بن أحمد القومسي قال: سمعتُ محمد بن حمدويه يقول: سمعتُ محمد بن إسماعيل يقول:"أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح".

وجامع البخاري إنما يشتمل على ألوفٍ يسيرةٍ مِن الأصول. وأحسبه أراد بقوله:"أحفظ مائة ألف حديث صحيح"طرق الأخبار مِن المرفوعة والموقوفة وأقوال التابعين ومَن بعدهم. جَعَلَ كلَّ طريقٍ منها حديثًا، لا أنه أراد الأصول حسب. وأي ذلك كان مراده، فقد بيَّن أنَّ في الصحاح ما لَمْ يشتمل عليه كتابه ولَمْ يَحْوِه جامعُه. وكمثل ما فَعَل في الأحاديث فَعَلَ في الرجال: فإنَّ كتاب التاريخ الذي صنَّفه تشتمل أسماءُ الرجال المذكورة فيه على ألوفٍ كثيرةٍ في العدد، وأخرج في صحيحه عن بعض المذكورين في تاريخه. وسبيلُ مَن تَرَكَ الإخراج عنه سبيلُ ما تَرَكَ مِن الأصول: إمَّا أن يكون الراوي ضعيفًا ليس مِن شرطه، أو يكون مقبولًا عنده غير أنه عَدَلَ عنه استغناءً بغيره». اهـ

قال الإسماعيلي ( [5] ) : «سمعتُ مَن يَحكي، عن البخاري أنه قال: لَمْ أُخرج في هذا الكتاب إلاَّ صحيحًا، وما تركتُ مِن الصحيح أكثر» . قال الإسماعيلي ( [6] ) : «لأنه لو أخرج كلَّ صحيحٍ عنده، لَجَمَعَ في الباب الواحد حديث جماعةٍ مِن الصحابة، ولَذَكَرَ طريق كل واحدٍ منهم إذا صحَّت، فيصير كتابًا كبيرًا جدًّا» . اهـ فقوله: «في الباب الواحد» وقوله: «طريق كل واحدٍ منهم» صريحٌ في أنه يريد المتابعات والشواهد في نفس الباب، وليس أحاديث الأصول. وقد حَمَّلَ ابنُ الجوزي كلامَ الإسماعيلي ما لا يحتمل فقال ( [7] ) : «ومثل هذا تغفيل قومٍ قالوا: إنَّ البخاري لَمْ يُخرج كل ما صحَّ عنده، وإنَّ ما أخرج كالأنموذج وإلاَّ فكان يطول. وقد ذهب إلى نحو هذا أبو بكر الإسماعيلي، وحَكَى عن البخاري أنه قال:"ما تركتُ مِن الصحيح أكثر". وإنما يعني الطُّرُق. يدلُّ على ما قُلْتُه أنَّ الدارقطني - وهو سيد الحفاظ - جَمَعَ ما يَلزم البخاري ومسلمًا إخراجُه، فبلغ ما لَمْ يَذكراه أحاديث يسيرة. ولو كان كما قالوا، لأخرج مجلدات! ثم قوله: (ما يلزم البخاري) دليل صريح ما قُلْتُه، لأنه مَن أَخرج الأنموذجَ لا يَلزمه شيء» . اهـ

فينبغي التنبُّه إذًا إلى أنَّ المتابعات والشواهد التي تركها البخاري ليس حُكمُها كحُكم أصول الأبواب: فإنَّ الأحاديث الأولى هي التي تَرَكَها اختصارًا لأنه أخرج ما ينوب عنها، وأمَّا الأحاديث الأخرى فإنَّ البخاري إذا لَمْ يُخرج مِنها شيئًا ففي ثبوتها نظر. وعلى هذا يُفهم قول محمد بن يعقوب الأخرم ( [8] ) : «قَلَّما يفوت البخاري ومسلمًا ما يَثبت مِن الحديث» . اهـ

قال أبو عبد الله الحاكم ( [9] ) : «ذِكْر النوع التاسع عشر مِن علوم الحديث وهو معرفة الصحيح والسقيم، وهذا النوع مِن هذه العلوم غير الجرح والتعديل الذي قدَّمنا ذِكْرَه. فَرُبَّ إسنادٍ يَسلم مِن المجروحين غير مخرجٍ في الصحيح» . ثم ذَكَرَ أمثلةً على أحاديث رُواتُها ثقاتٌ وهي معلولة، ثم قال: «فإذا وُجد مثل هذه الأحاديث بالأسانيد الصحيحة غير مخرجةٍ في كتابَي الإمامين البخاري ومسلم، لزم صاحبَ الحديث التنقيرُ عن عِلَّتِه ومذاكرة أهل المعرفة به لتظهر عِلَّته» . اهـ وهذا مِمَّا يؤكِّد على أنَّ الحاكم قد أصابته غفلةٌ لمَّا صنَّف المستدرك على الصحيحين، حتى كأنه ليس هو صاحب معرفة علوم الحديث!

وقد احتكم غيرُ واحدٍ مِن العلماء إلى هذا المعنى عند كلامهم في بعض الأحاديث المتنازع فيها. فتجد ابنَ عبد البر يقول في أحاديث سقوط الجمعة يوم العيد ( [10] ) : «ليس منها حديثٌ إلاَّ وفيه مطعنٌ لأهل العلم بالحديث، ولَمْ يُخرج البخاري ولا مسلم بن الحجاج منها حديثًا واحدًا، وحسبك بذلك ضعفًا لها» . اهـ واحتجَّ ابن طاهر المقدسي على خصومه في مسألة السماع بعدم إخراج الشيخين لتلك الأحاديث التي يتمسكون بها، فقال ( [11] ) : «وبيننا وبينهم ما في هذه المسائل في التحليل والتحريم: ما أُخرج في الصحيحين لأبي عبد الله البخاري ولأبي الحسين مسلم النيسابوري - الذي أجمع المسلمون على قبول ما أُخرج في كتابيهما - أو ما كان على شرطهما ولم يخرجاه» . اهـ وهو نفس ما صنعه في أحاديث التسمية أيضًا ( [12] ) .

ولذلك قال ابن الصلاح ( [13] ) : «إذا كان الحديثُ الذي تركاه - أو أحدُهما - مع صحة إسناده أصلًا في معناه عمدةً في بابه ولَمْ يُخرجا له نظيرًا، فذلك لا يكون إلاَّ لِعِلَّةٍ فيه خَفِيَت واطَّلعا عليها - أو التاركُ له منهما - أو لِغَفْلَةٍ عَرَضَت» . اهـ وقال ابن رجب ( [14] ) : «وصار اعتمادُ الناس في الحديث الصحيح على كتابَي الإمامين أبي عبد الله البخاري وأبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري رضي الله عنهما ... فَقَلَّ حديثٌ تركاه إلاَّ وله عِلَّةٌ خفية. لكن لِعِزَّةِ مَن يَعرف العلل كمعرفتهما وينقده وكونه لا يتهيأ الواحد منهم إلاَّ في الأعصار المتباعدة، صار الأمرُ في ذلك إلى الاعتماد على كتابيهما والوثوق بهما والرجوع إليهما، ثم بعدهما إلى بقية الكتب المشار إليها» . اهـ

[1] - تاريخ بغداد للخطيب ط العلمية 2/ 8.

[2] - الكامل لابن عدي 1/ 226 ومِن طريقه الإرشاد للخليلي 3/ 962 وتاريخ بغداد للخطيب 2/ 9 وتهذيب الكمال للمزي 24/ 442. ووقع في بعض نسخ الكامل: «الصحاح الطوال» ، وليست في هذه النقول. ورواه أيضًا ابن عساكر في تاريخ دمشق 52/ 73 مِن طريقِ ابن عدي ومِن طريقِ غيرِه.

[3] - الاحتجاج بالشافعي ص49 فما بعد.

[4] - في المطبوع: «عني» بِالْعين. والصواب بِالْغين كما يقتضيه السياق.

[5] - شروط الأئمة الخمسة للحازمي، ضمن: ثلاث رسائل في علم مصطلح الحديث، ط مكتبة المطبوعات الإسلامية، ص160.

[6] - هدى الساري لابن حجر ص7.

[7] - صيد الخاطر لابن الجوزي ص260.

[8] - تاريخ بغداد للخطيب 13/ 102.

[9] - معرفة علوم الحديث للحاكم ص58 فما بعد.

[10] - التمهيد لابن عبد البر 10/ 277 فما بعد.

[11] - صفوة التصوف لابن طاهر ص299.

[12] - مسألة التسمية لابن طاهر ص20.

[13] - صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح ص95.

[14] - الرد على مَن اتبع غير المذاهب الأربعة، ضمن: مجموع رسائل ابن رجب 2/ 622.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت