ثم قال:"والحقُّ أنه أُسْرِيَ به يقظة لا منامًا من مكة إلى بيت المقدس راكبًا البراق، فلمَّا انتهى إلى باب المسجد ربط الدابَّة عند الباب، ودخله فصلى في قبلته تحيَّة المسجد ركعتين، ثم أتى المعراج وهو كالسُّلَّم ذو درج يرقى فيها، فصَعِدَ فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقيَّة السموات السبع، فتلقَّاه مِن كلِّ سماء مقرَّبُوها، وسلَّم عليه الأنبياء عليهم السلام - الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مرَّ بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزلتهما وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوًى يسمع فيه صريف الأقلام -أي: أقلام القدر- بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى، ورأى هنالك جبريل على صورته، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضيَّة مسندًا ظهره إليه، ورأى الجنَّة والنار، وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خفَّفها إلى خمس؛ رحمة منه، و لطفًا بعباده، ثم هبط إلى بيت المقدس وصلى بالأنبياء هناك، ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس".
فائدة زائدة:
قال الحافظ العراقي:"وليس في قبور الأنبياء ما هو محقَّقٌ سوى قبر نبيّنا - صلى الله عليه وسلم- وأما قبر موسى فمظنون بالعلامة التى في الحديث، و قبر إبراهيم الخليل، و مَن معه عليهم السلام - أيضًا مظنون بمنامات، و نحوها". طرح التثريب (3/ 303) .
هل صلَّى بالأنبياء قبل المعراج أم بعدَه؟
قال القاضى عياض:"يحتمل أن يكون- صلى الله عليه وسلم- صلى بالأنبياء جميعًا في بيت المقدس، ثم صعِد منهم من ذكر أنه- صلى الله عليه وسلم- رآهم في السماوات، ويحتمل أن يكون صلى بهم بعد أن هبط من السماء، فهبطوا أيضًا، والأظهر أن صلاته بهم في بيت المقدس كان قبل العروج".
وقال ابن كثير:"صلى بهم ببيت المقدس قبل العروج و بعده؛ فإن في الحديث ما يدل على ذلك، ولا مانع منه".