ثم إن السبب في تعظيم أمر الوالدين أنهما السبب الظاهري في إيجاده وتعيشه ولا يكاد تكون نعمة أحد من الخلق على الولد كنعمة الوالدين عليه ، لا يقال عليه: إن الوالدين إنما طلبا تحصيل اللذة لأنفسهما فلزم منه دخول الولد في الوجود ودخوله في عالم الآفات والمخافات فأي إنعام لهما عليه ، وقد حكى أن واحداً من المتسمين بالحكمة كان يضرب أباه ويقول: هو الذي أدخلني في عالم الكون والفساد وعرضني للموت والفقر والعمى والزمانة ، وقيل لأبي العلاء المعري ولم يكن ذا ولد: ما نكتب على قبرك فقال: اكتبوا عليه:
هذا جناه أبي علي...
وما جنيت على أحد وقال في ترك التزوج وعدم الولد: وتركت فيهم نعمة العدم التي
سبقت وصدت عن نعيم العاجل ولو أنهم ولدوا لنالوا شدة...
ترمى بهم في موبقات الآجل
وقال ابن رشيق:
قبح الله لذة لشقانا...
نالها الأمهات والآباء نحن لولا الوجود لم نألم الفق
د فإيجادنا علينا بلاء...
وقيل للإسكندر: أستاذك أعظم منة عليك أم والدك؟ فقال: الأستاذ أعظم منة لأنه تحمل أنواع الشدائد والمحن عند تعليمي حتى أوقفني على نور العلم وأما الوالد فإنه طلب تحصيل لذة الوقاع لنفسه فأخرجني إلى عالم الكون والفساد لأنا نقول: هب أنه في أول الأمر كان المطلوب لذة الواقع إلا أن الاهتمام بإيصال الخيرات ودفع الآفات من أول دخول الولد في الوجود إلى وقت بلوغه الكبر أعظم من جميع ما يتخيل من جهات الخيرات والمبرات ، وقد يقال: لو كان الإدخال في عالم الكون والفساد والتعريض للأكدار والأنكاد دافعاً لحق الوالدين لزم أن يكون دافعاً لحق الله تعالى لأنه سبحانه الفاعل الحقيقي ، وأيضاً يعارض ذلك التعريض التعريض للنعيم المقيم والثواب العظيم كما لا يخفى على ذي العقل السليم ، ولعمري أن إنكار حقهما إنكار لأجلى الأمور ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور.
{رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ}