وقال: {قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً..} [الأنعام: 151]
وقال: {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً} [العنكبوت: 8]
لكن ، لماذا قرن الله تعالى بين عبادته وبين الإحسان إلى الوالدين؟ أتريد أن نقرب الأولى بالثانية ، أم نقرب الثانية بالأولى؟
نقول: لا مانع أن يكون الأمران معاً ؛ لأن الله تعالى غَيْب ، والإيمان به يحتاج إلى إعمال عقل وتفكير ، لكن الوالدين بالنسبة للإنسان أمر حسيّ ، فهما سِرُّ وجوده المباشر ، وهما رَبَّياه ووفَّرا له كل متطلبات حياته ، وهما مصدر العطف والحنان.
إذن: التربية والرعاية في الوالدين مُحسَّة ، أما التربية والرعاية من الله فمعقولة ، فأمْر الله لك بالإحسان إلى الوالدين دليل على وجوب عبادة الله وحده لا شريك له ، فهو سبحانه الذي خلقك ، وهو سبب وجودك الأول ، وهو مُربّيك وصاحب رعايتك ، وصاحب الفضل عليك قبل الوالدين ، وهل رباك الوالدان بما أوجداه هما ، أما بما أوجده الله سبحانه؟
إذن: لابد أن يلتحم حَقُّ الله بحقِّ الوالدين ، وأن نأخذ أحدهما دليلاً على الآخر.
ونلاحظ أن الحق تبارك وتعالى حين أمرنا بعبادته جاء بأسلوب النفي: أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ.. { [الإسراء: 23]
يعني نهانا أن نعبد غيره سبحانه ، أما حين تكلم عن الوالدين فلم يقل مثلاً: لا تسيئوا للوالدين ، فيأتي بأسلوب نفي كسابقه ، لماذا؟
قالوا: لأن فضل الوالدين واضح لا يحتاج إلى إثبات ، ولا يحتاج إلى دليل عقليّ ، وقولك: لا تسيئوا للوالدين يجعلهما مَظنَّة الإساءة ، وهذا غير وارد في حَقَّهما ، وغير مُتصوَّر منهما ، وأنت إذا نفيتَ شيئاً عن مَنْ لا يصح أن ينفي عنه فقد ذَمَمتْه ، كأن تنفي عن أحد الصالحين المشهورين بالتقوى والورع ، تنفي عنه شرب الخمر مثلاً فهل هذا في حقه مدح أم ذم؟