الوجه الخامس: أن الحسن -رضي الله عنه- ورد عنه صريحًا ما يرُدُّ هذا، وهو ما رواه عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه قال: قلت للحسن: إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة، فقال: قد كانت جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت، ويسالمون من سالمت، فتركتها ابتغاء وجه الله، وحقن دماء أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-.
وأما بعض الروايات التي توهم أنه اشتراه بالمال فهي من وضع الكذابين، وإليك بعضها:
الرواية الأولى: قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: وكان أول شيء أحدث الحسن أنه زاد المقاتلة مائة مائة، وقد كان علي فعل ذلك يوم الجمل، والحسن فعله على حال الاستخلاف، فتبعه الخلفاء من بعد ذلك.
وكتب الحسن إلى معاوية مع جندب بن عبد الله الأزدي: (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله الحسن أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، سلام عليك، فإني أحمد الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإن الله تعالى بعث محمدًا -صلى الله عليه وسلم- رحمة للعالمين، ومنّةً على المؤمنين، وكافةً إلى الناس أجمعين {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ} فبلغ رسالات الله، وقام على أمر الله حتى توفاه الله غير مقصر ولا وإن، حتى أظهر الله به الحق، ومحق به الشرك، ونصر به المؤمنين، وأعز به العرب، وشرف به قريشًا خاصة، فقال تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ} [الزخرف: 44] فلما توفي -صلى الله عليه وسلم- تنازعت سلطانه العرب، فقالت قريش: نحن قبيلته وأسرته وأولياؤه، ولا يحل لكم أن تنازعونا سلطان محمد -صلى الله عليه وسلم- في الناس وحقه، فرأت العرب أن القول كما قالت قريش، وأن الحجة لهم في ذلك على من نازعهم أمر محمد -صلى الله عليه وسلم- فأنعمت لهم العرب، وسلمت ذلك، ثم حاججنا نحن قريشًا بمثل ما حاجت به العرب، فلم تنصفنا قريش إنصاف العرب لها، إنهم أخذوا هذا الأمر دون العرب بالانتصاف والاحتجاج فلما صرنا أهل بيت محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأولياءه إلى محاجتهم، وطلب النصف منهم باعدونا، واستولوا بالاجتماع على ظلمنا، ومراغمتنا، والعنت منهم لنا، فالموعد الله، وهو الولي النصير.