كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوماً في مجلسه، فرفع رأسه إلى السّماء ثم طأطأه ثم رفعه فسئل عن ذلك فقال:"هؤلاء قومٌ كانوا يذكرون الله فنزلت عليهم السّكينة، وغشيتهم الرّحمة، وحفّتهم الملائكة كالقبّة، فلما دنت منهم تكلّم رجلٌ منهم بباطلٍ فرفعت عنهم ثم تلا:"ويوم تقوم السّاعة يومئذٍ يخسر المبطلون"."
أنشد أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب، ويقال إنها له:
إن صحبنا الملوك تاهوا وعقّوا ... واستخفّوا كبراً بحقّ الجليس
أو صحبنا االنّجار صرنا إلى البؤ ... س وعدنا إلى عداد الفلوس
فلزمنا البيوت نستخرج العل ... م ونملا به بطون الطّروس
كان يقال: ذوو المروءة والدّين، إذا أحرزوا القوت لزموا البيوت.
أنشد أبو عبد الله بن الأعرابيّ - صاحب الغريب:؟ لنا جلساءٌ ما نملّ حديثهم ألّباء مأمونون غيباً ومشهدا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى ... وعقلاً وتأديباً ورأياً مسدّدا
بلا فتنةٍ تخشى ولا سوء عشرةٍ ... ولا نتّقي منهم لساناً ولا يدا
فإن قلت أمواتٌ فلست بكاذبٍ ... وإن قلت أحياءٌ فلست مفنّدا
ولهذا الشعر خبر لابن الأعرابي مع أحمد بن محمد بن شجاع، ذكرناه مع الأبيات في آخر كتاب"بيان العلم وفضله".
ولمحمد بن بشير في هذا المعنى من قصيد له:
فصرت في البيت مسروراً تحدّثني ... عن علم ما غاب عنّي في الورى الكتب
فرداً تخبّرني الموتى وتنطق لي ... فليس لي في أناسٍ غيرهم أرب
لله من جلساءٍ لا جليسهم ... ولا خليطهم للسوء مرتقب
لا بادرات الأذى يخشى رفيقهم ... ولا يلاقيه منهم منطقٌ ذرب
أبقوا لنا حكماً تبقى منافعها ... أخرى اللّيالي على الأيّام وانشعبوا
إن شئت من محكم الآثار يرفعها ... إلى النّبيّ ثقاتٌ خيرةٌ نجب
أو شئت من عربٍ علماً بأوّلهم ... في الجاهلية تنبيني بها العرب
أو شئت من سير الأملاك من عجمٍ ... تنبي وتخبر كيف الرّأي والأدب
حتى كأنّي قد شاهدت عصرهم ... وقد مضت دونهم من دهرنا حقب
ما مات قومٌ إذا أبقوا لنا أدباً ... وعلم دينٍ ولا بانوا ولا ذهبوا
انتهى انتهى {بهجة المجالس وأنس المجالس، لابن عبد البر} ...