إن محور سورة المائدة من سورة البقرة هو قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ فسبب إضلال الله الإنسان يعود إلى اتصاف الإنسان بالفسوق الذي هو نقض عهد الله من بعد ميثاقه، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض، ومن ثم جاءت سورة المائدة لتفصل في ما يحرر من هذه المعاني ليكون الطريق إلى الهداية سالكا بسلوك طريقها الإيجابي، وهو الذي فصلته سورة النساء وأمثالها، وإن المجادلة تؤدي نفس الدور الذي أدته سورة المائدة، فهي تحرر من عوامل الضلال. فإذا كانت سورة الحديد
حققت بالمعاني الإيجابية للهداية، فإن سورة المجادلة تحرر من المعاني السلبية التي تحول دون الهداية.
إن هناك متقين وفاسقين، والفاسقون نوعان: كافرون ومنافقون، هؤلاء يقفون في طرف، وهؤلاء يقفون في طرف آخر، ولا نعني بالفسوق هنا الفسوق النسبي فهذا قد يقع فيه المؤمنون.
وقد لخصت هذه الآيات - من سورة البقرة - خصائص المتقين: الم* ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ* الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ولخصت هذه الآية - من سورة البقرة - خصائص الفاسقين: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ الأولون مفلحون وهؤلاء خاسرون، وسورة الحديد انصب الكلام فيها على ما يحقق بخصائص المتقين، وسورة المجادلة ينصب الكلام فيها على ما يحرر من أخلاق الفاسقين، والتكامل قائم والتداخل موجود.