والمعنى: إنما هي ليجعل الشيطانُ المؤمنين محزونين بتوهمهم أنهم في نكبة أصابتهم في سيرتهم، يعني: أن غزاتهم غلبوا، وأن أقاربهم قتلوا متألمين، بذلك فاترين في تدبير الغزو، إلى غير ذلك مما يشوش قلوب المؤمنين. وفي الحديث:"إذا كنتم ثلاثة فلا يتناج اثنان دون صاحبهما إلا بإذنه؛ فإن ذلك يحزنه". متفق عليه.
{وَلَيْسَ} ؛ أي: الشيطان أو التناجي {بِضَارِّهِمْ} ؛ أي: بالذي يضر المؤمنين {شَيْئًا} من الأشياء أو شيئًا من الضرر {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} ؛ سبحانه وتعالى، أي: إلا بمشيئته وإرادته؛ أي: ما أراده من حزن أو وسوسة. وفي"الكشاف" {إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} ؛ أي: بمشيئته، وهو: أن يقضي الموت على أقاربهم أو الغلبة على الغزاة.
والمعنى: أي إنما فعل ذلك ليسوء المؤمنين بإيهامهم أن ذلك في نكبة أصابتهم وليس الشيطان بضار المؤمنين شيئًا إلا بإرادة الله ومشيئته.
{وَعَلَى اللَّهِ} سبحانه خاصة {فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} ؛ أي: فليعتمد المؤمنون عليه تعالى في شؤونهم، وليفوضوا أمورهم إليه، وليثقوا به، ولا يبالوا بنجوى أعدائهم، فإنه تعالى يعصمهم من شرها وضررها، فينبغي للعبد التوكل التام، فإن المؤثر في كل شيء هو الله تعالى.
والمعنى: أي إن ما يتناجى به المنافقون مما يحزن المؤمنين - إن وقع - فإنما يكون بإرادة الله ومشيئته، فلا يكترثن المؤمنون بتناجيهم، وليتوكلن على الله ولا يحزنن، فإن من قول عليه لا يخيب أمله، ولا يبطل سعيه.
11 - {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} يعني المخلصين {إِذَا قِيلَ لَكُمْ} من أي قائل كان من الإخوان {تَفَسَّحُوا} ؛ أي: توسعوا {فِي الْمَجَالِسِ} ؛ أي: في أماكن الجلوس، متعلق بـ {تَفَسَّحُوا} ، وقال في"الإرشاد": متعلق بـ {قِيلَ} ، والأول أولى؛ لأن التفسح يتعدى بـ (في) . {فَافْسَحُوا} ؛ أي: فوسعوا وأنتم جالسون أو قائمون. يقال: أفسح عني، تنح وتباعد عني. {يَفْسَحِ اللَّهُ} سبحانه {لَكُمْ} في الجنة، أو في كل ما تريدون التفسح فيه من الرزق، والصدر، والقبر، وغيرها؛ لأن الجزاء من جنس العمل، أمرهم الله سبحانه بحسن الأدب مع بعضهم بعضًا بالتوسعة في المجلس وعدم التضايق فيه.