أحدهما: أن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - كان لا يستعمل نفسه في شيء من لذات الدنيا وشهواتها، وكان قائمًا لله تعالى؛ فإذا كان كذلك، جاز أن يكون حقيقة الملك فيه لمولاه، وإن كان في الظاهر له، واللَّه أعلم.
فَإِنْ قِيلَ: أليست الأملاك كلها لله؟
قيل لهم: نعم، غير أن الإضافة قد تكون خصوصية حال، كقوله - تعالى -: (نَاقَةُ اللَّهِ) ، وبيت اللَّه.
ووجه آخر: ما كان لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - فهو وقف عليه إلى يوم القيامة؛ ألا ترى أن زوجاته محبوسات عليه لا يحللن لأحد بعده، ونبوته عليه، لم تتحول بعده إلى غيره؛ فلزم - أيضا - أن يوقف عليه ملكه - عليه السلام - ومعلوم أن ما كان موقوفًا فسبيله التصدق، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ) .
له معنيان:
أحدهما: أنه لو لم يبين هذه المواضع لكان ذلك الخمس الذي كان لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - يخلفه فيه الخلفاء من بعده؛ فيداوله الأغنياء بينهم.
ومعنى آخر: لو فرق هذا بين الفقير والغني لكان حين يقع هذا للغني بيده كان يكتسب به فضول الدنيا، وأما الفقير فأول ما يقع في يده يستمتع به في منافع نفسه؛ فلذلك فرق في الفقراء، واللَّه أعلم.
قَالَ بَعْضُهُمْ: الدولة: هي اسم للذي يدول بين الناس، والدّولة: واحدة، وهي فعلة.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) .
يعني: ما أعطاكم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - من هذه الغنيمة فخذوه ولا تظنوا به ظنًّا مكروهًا وما نهاكم عنه فانتهوا، ليس نهي زجر وشريعة، ولكن نهي منع، وما منع منكم من هذا الفيء فانتهوا عنه.