الثاني: اعتماده -صلى الله عليه وسلم- على الواحد في التبليغ؛ فلو كان الواحد لا تقوم به الحجة في التبليغ، لم يكن لإرساله الرسل فائدة، وقد عقد البخاري في صحيحه بابًا عنوانه: (باب ما كان يبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- من الأمراء والرسل واحدًا بعد واحد، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بَعَثَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ بِكِتَابِهِ إِلَى عَظِيمِ بُصْرَي، أَنْ يَدْفَعَهُ إِلَى قَيْصَرَ.
وقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- يسارعون إلى قبول خبر الثقة فيما يبلغهم به، ومن ذلك أنه لما حُولت القبلة لم يعلم أهل المساجد في ضواحي المدينة بأمر تحويلها إلا من قِبل رجل واحد وهم يصلون. كما في صحيح البخاري عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عُمَرَ -رضي الله عنه- قَالَ: بَيْنَا النَّاسُ بِقُبَاءٍ فِي
صَلاةِ الصُّبْحِ، إِذْ جَاءَهُمْ آتٍ فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وَقَدْ أُمِرَ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةَ فَاسْتَقْبِلُوهَا، وَكَانَتْ وُجُوهُهُمْ إِلَى الشَّأْمِ فَاسْتَدَارُوا إِلَى الْكَعْبَةِ.
3 -الاستدلال بالمعقول:
لقد أورد العلماء مئات الوقائع؛ ذهب فيها الصحابة فمن بعدهم من علماء التابعين ومن سار على هديهم من أهل العلم، المرضي عنهم، الموثوق بهم، إلى أن خبر الآحاد حجة يجب المصير إليها، وقبلوا رواية العدل الثقة فيما يروون، وقد قبل أبو بكر -رضي الله عنه- خبر عائشة في أن النبي -صلى الله عليه وسلم- مات يوم الاثنين، وقبل عمر -رضي الله عنه- خبر عمرو بن حزم في أن دية الأصابع سواء، وقبل خبر الضحاك بن سفيان في توريث المرأة من دية زوجها.
قال ابن حجر: وقد شاع فاشيًا عمل الصحابة والتابعين بخبر الواحد من غير نكير فاقتضى الاتفاق منهم على القبول.