الولايات المتحدة وأوربا ليضع النظام الرأسمالي برمته بإزاء مأزق حقيقي، وقد كانت هذه الأزمة للمجتمع الأمريكي بداية وعي المسألة الاجتماعية خصوصا إذا علمنا أن البرجوازية الأمريكية كانت تتميز عن كل الطبقة الرأسمالية العالمية بثقة كلية بمستقبل المشروع الحر. كل هذه الأزمات كانت بمثابة ضربات أليمة في البناء التكويني للجهاز الرأسمالي الضخم الذي بناه التقليدي الكلاسيكي في أعقاب الثورة الصناعية.
وقد دفعت هذه الأزمات كتاب الاقتصاد إلى محاولة إصلاح ما طرا على النظام، ووضع المعالجات العملية للمشاكل الاقتصادية، وعظم نفوذهم وراح الناس يصغون إلى كل من لديه اقتراح لعلاج الحال، ومحاولة الإصلاح، وفي هذا الجو المفعم بالاضطراب الاقتصادي ظهرت عدة أفكار ونظريات تدعو إلى ضرورة تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، أو محاولة وضع نمط من المخططات يبين نوع التدخل، وحدوده وكان من أبرزها وأكثرها تأثيرًا النظرية الكينزية التي ولدت من رحم التناقض الرأسمالي والتي أصبح لها تأثير قوي سواء على مستوى الفكر الاقتصادي، أو على المستوى العملي، إذ فتحت آفاقا جديدة أمام الدول للتدخل في النشاط الاقتصادي. وهكذا أخذت الدول الرأسمالية تتدخل ليس فقط في ميدان التجارة الخارجية والعلاقات الدولة المتبادلة بل في مختلف قطاعات الاقتصاد مثل إعادة توزيع الدخول، وتخصيص الموارد، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي وقد زاد مع زيادة ما تملكه الدولة من موارد اقتصادية خاضعة لها مباشرة، فالقطاع العام وملكية الدولة في تزايد مستمر في كثير من الدول الرأسمالية، فقد تم تأميم عدد من الفروع الأساسية للاقتصاد مثل البنوك الأساسية، وصناعة الصلب، والفحم كما حدث في فرنسا وانجلترا، وتملك الدولة أهم المؤسسات الاقتصادية في إيطاليا مما دفع البعض إلى الحديث عن رأسمالية الدولة فيها، وهذا أيضا ما حدث أو بعضه قبل ذلك في معقل الرأسمالية وهي الولايات المتحدة، لأن تجربة أوربا كانت امتدادًا لتجربة روزفلت في أمريكا.
وفي الحقيقة فإننا حين نذهب إلى أن دور الدولة قد تعاظم بعد الحرب العالمية الثانية في النشاط الاقتصادي فليس معنى هذا أن الدولة لم تلعب دورا أساسيا على طول تاريخ الرأسمالية، فسواء بطريق مباشرة أو غير مباشر، أو بطريق تقديم المعونة لبناء السكك الحديدية كما حدث في ألمانيا والولايات المتحدة، أو بطريق النهوض بالمصالح الاقتصادية للرأسماليين المحليين في الخارج بوسائل مناسبة كما حدث في بريطانيا وهولندا، أو بطريق عمليات مالية معقدة، وفرض رسوم جمركية كما حدث في فرنسا فقد كان للدولة دور مهم. ولكن مع ذلك فأن الحدود المعترف بها للدولة لم يكن بارزًا إلى الحد الذي صورناه بل تم تقدم تصاعدي في نطاق العمل الحكومي.
وقد وافق الاقتصاديون الأحرار أو الأرثوذكس على مثل هدا التدخل مضطرين تحت ضغوط الأزمات الاقتصادية وأنه ما دامت الدولة قد أرغمت على التدخل على هذا النحو الحاسم فإنه من الممكن التوسع في هذا الإجراء الحكومي حتى يتسنى بداية مرحلة جديدة من الاستقرار وهم الذين ذهبوا إلي اعتبار القوانين الاقتصادية أمرًا مستقلًا عن المؤسسات الإنسانية والذين طالما اعتقدوا أن هذه القوانين ممثلة لقوى مسيطرة تحد من العمل الحكومي ضمن إطار لا يمكن له إن يتخطاها وأن التوازن السليم إنما يتحقق بطريقة آلية. جهاز الثمن.