وفي الحقيقة فانه بغض النظر عن السبب في هذه الازمات الاقتصادية الا انه من المؤكد ان هناك صدعًا في التفسير النظري الاكاديمي للرأسمالية نفسها ذلك ان حركة عناصر الانتاج بعيدة جدًا عن الكمال فهي لا تخضع توًا لمؤشر الاسعار وبذلك لا يتحقق التوافق الفوري بين العرض والطلب وبين الانتاج والحاجيات وحتى نضع القارء في صورة ما جرى ويجري لابد لنا من دراسة الرأسمالية وتطورها بدًا من المذهب الفردي مرورًا بالمذهب الاجتماعي الذي قاده (كينز) وانتهاءًا بالنظام الرأسمالي الانكلو سكسوني الذي أسس له ريغان و تاتشر والذي يعد عودة فوضوية الى الرأسمالية التقليدية.
إن مقتضى هذا المذهب هو غل يد السلطة (الدولة) من التدخل في الشؤون الاقتصادية، واعتبار الفرد هو الغاية من النظام الاقتصادي ويحاول هذا المذهب أن يتيح أكبر قدر من الحرية للفرد لتحقيق المنافع التي تعود عليه، وهو لا يرى اي تعارض بين مصلحة الفرد، ومصلحة الجماعة بل كلا المصلحتين متوافقة ومنسجمة، ومن هنا تحددت وظيفة الدولة في العمل الجماعي فحسب دون أي تدخل في الحياة الاقتصادية، ولا في محاولة تغيير مواقع الأفراد ومراكزهم، فالدولة لا يجوز لها أن تتدخل في الحياة الاقتصادية بل يجب أن تتركها حرة للنشاط الفردي فيمتنع عليها إقامة المشروعات الاقتصادية، كما أنه يجب ان تترك المشروعات الخاصة حرة فتكون لهم حرية الانتاج، وحرية التوزيع، وحرية تحديد الأثمان وحرية الاستهلاك، وحرية ادخار القيم النقدية والمادية. وحرية الاستعمار لا تحكمها إلا القوانين الطبيعية كما لا يجوز للدولة أن تجري أي تخطيط اقتصادي حتى لو كان هذا التخطيط علميأ ومدروسأ يعتمد على الاحصاءات والبيانات، وليس لها أن تتخذ اي تدابير لتوجيه العمل والانتاج نحو وجهات معينة، كما لا يجوز لها أن توزع الخيرات بين أبنائها أو تحث الأفراد على الادخار والاستثمار. ولعل ابرز مظاهر عمل الدولة، أو وظيفتها حسب هذا المذهب تتمثل في الآتي:
1.حماية الدولة نفسها من أي اعتداء يقع عليها، ودفع الأخطار الخارجية التي تهدد سلامة الوطن.
2.المحافظة على سلامة الشعب، وكفالة الامن والنظام والاستقرار في ربوع البلاد.
3.حماية الممتلكات الخاصة وتدعيم الملكية الخاصة.
4.حماية مراكز الأفراد ومواقعهم.
5.حماية الصفة الإلزامية للعقود، والالتزامات الناشة عنها.
وفيما عدا هذه الوظيفة تترك الدولة للأفراد حرية ممارسة، أوجه النشاطات الأخرى اقتصادية كانت، أو ثقافية، أو اجتماعية وتقوم بدور الرقيب، والمشرف على هذا النشاط حتى لا يتعارض مع وظيفتها الاساسية الذي هو تحقيق الأمن في الداخل ورد الاعتداءات الخارجية.
وقد انتشر هذا المذهب في القرن الثامن عشر باعتباره ثمرة من ثمار الاتجاه الاقتصادي الحر الذي رفع شعار (( دعه يعمل دعه يمر ) )والذي تزعمه (آدم سمث) ، (وريكاردو) ، (ومالتس) ، و (باتست ساي) ، كما انه ثمرة من ثمار جهود الفلاسفة والمتعلق بالحريات السياسية والذي تزعمه (لوك) ، وشاركه (بينتام) ، و (سبس) .