فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 74

يقوم المذهب الفردي على أساس أن للانسان حقوقأ لصيقة به سابقة على نشوء الدولة، بل هي سابقة على نشوء مطلق المجتمع فهي حقوق نابعة من ذات الإنسان، والدولة كما يرى فلاسفة المذهب تنحصر وظيفتها في تنظيم الحقوق الفردية، فهي لا تخلق الحقوق، أو تمنحها، بل هي تضفي عليها طابعأ رسميأ وقد اعتمد هذا المذهب في تقريره لوجهة نظره على نظرية الحقوق الطبيعية، تلك النظرية التي ظهرت في نهاية العصر الروماني مرورًا بالعصور الوسطى فالعصور الحديثة، ولما كانت هذه الحقوق نابعة من ذات الانسان وملاصقة له فان السلطة لا تملك التعرض

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) وقد تأسس المذهب الفردي على العديد من النظريات، والأفكار إلا انه يمكن حصر المصادر الرئيسة للمذهب الفردي بالاتي:

لقد كان للمسيحية بعض الفضل في تحديد مجالات السلطة وأهدافها، وفي تضييق دائرة عمل الدولة ووظيفتها، ولقد كان للمسيحية هذا الدور وذلك حين فصلت بين الدين والدولة، وبالتالي اخرجت عن نطاق السلطة الزمنية كل ما يتعلق بالدين، ويعد هذا هو الأساس في إرساء المبدأ الفردي وظهوره في الميدان السياسي، والاقتصادي، فالمسيحية قد ساهمت في استشعار الأفراد لحقوقهم، ومنع الدولة من التدخل في كل ما يتعلق بحريات الأفراد الشخصية أو الدينية، ومن ثم في تحديد مجالات الدولة في التدخل.

تعد هذه النظرية من اهم مبادئ المذهب الفردي الفكرية ذلك لأن هذه النظرية تعترف للأفراد بالحقوق الطبيعية التي هي جزء من ذات الفرد وفطرته، ومقتضى هذه النظرية ان الأفراد إنما قبلوا العيش في ظل سلطة سياسية، لأنهم يريدون المحافظة على حقوقهم الطبيعية والتمتع بها بعد أن كانوا قبل ذلك يعيشون على الطبيعة البدائية، وقد اتسمت حياتهم تلك بالحرية المطلقة، والاستقلال الذاتي وهكذا فان الفرد بحقوقه سابق على الجماعة، وان الجماعة السياسية ما وجدت إلا لخدمة الفرد، فالفرد هو غاية الدولة، وحقوقه هي التي تحدد أوجه نشاطها، ونطاق سلطتها.

تقوم هذه المدرسة على أساس نظرية النظام الطبيعي، ومقتضاها أن الوجود محكوم بقوانين طبيعية لايد للإنسان في إيجادها، او صنعها، بل يجب على الإنسان الانسجام معها، والعمل على سننها، ومن ثم فإن الالام البشرية في حقيقتها ليست إلا وليدة عصيان هذه القوانين، فاستسلام الإنسان للطبيعة كفيل بأن ينظم للإنسان حياته تنظيمًا دقيقًا محكمًا كما نظمت حياة سائر الموجودات الحية مثل النحل، والنمل، وترك قوانين الطبيعة تعمل بتلقايتها هو العامل الأساس في سلامة كل شيء بما فيه النشاط الاقتصادي فالإنسان الذي يسعى لتحقيق غاياته لا يفسر اهتمامه هذا بأنه خاص به وحده، بل هو في سعيه لشائه الخاص يتطابق مع الاهتمام العام تلقائيًا ويكفي أن يترك الناس أحرارًا ليسعى جميع البشر تلقائيًا نحو هذا النظام التناسقي الذي تعمل القوانين الطبيعية على تحقيقه، وقد سادت هذه النظرية في منتصف القرن الثامن عشر وكان من ابرز رجالها (آدم سميث) في إنجلترا (وكينيه) في فرنسا وهذه النظرية بالإضافة إلى مدلولها الاقتصادي لها مدلول سياسي يتعلق في بيان مركز الفرد من السلطة، وان حقوق الفرد تعد هدف الجماعة وغايتها.

معلوم أن فكرة القانون الطبيعي تعني وجود قوانين طبيعية أسبق واعلى من القانون الوضعي خالدة وثابتة، وتصح في الزمان والمكان، وفكرة القانون الطبيعي تجد صداها في كتابات الإغريق والرومان مثل: سقراط - افلاطون - أرسطو - شيشرون فالقانون الطبيعي هو قانون ازلي توحي به الطبيعة، ويكشفه العقل البشري، ويستحسنه الوجدان، وهو يدعونا إلى اتباع الأوامر، واجتناب النواهي وهو يقرر أن للفرد حقوقًا لصيقة به استمده من طبيعته الإنسانية، وعلى الرغم من أن فكرة القانون الطبيعي كانت معروفة عند الإغريق والرومان حتى استقر مفهومها في القرن السابع عشر على يد (توما الاكويني) و (كروسيوس) إلا انها لم تعمل على تحديد سلطان الدولة والحد من تدخلها في النشاط الاقتصادي إلا في القرن السابع عشر باعتبارها رد فعل على السياسة (المركانتيلية) التي سادت أوربا قبل ذلك والتي عملت على التدخل في مختلف الأنظمة الاقتصادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت