فهرس الكتاب

الصفحة 6 من 74

وقد ظهر المذهب الفردي باعتباره رد فعل على السياسة (المركانتيلية) (1) ، والتي سادت أوربا لثلاثة قرون، وكانت هذه السياسة تقوم بالاساس على مبدأ تدخل الدولة في الشؤون الاقتصادية، وترى وجوب بذل أقصى الجهد لتقوية الشعب واغنائه، وتحقيق الرفاهية له، وان وسيلة تحقيق ذلك لا يتم إلا بامتلاك اكبر كمية من المعادن الثمينة، لأنها هي الثروة الأساسية للمجتمع، ولما كانت كل دولة تعمل على تجميع أكبر كمية ممكنة من المعادن الثمينة - حتى تضمن لشعبها الرفاهية فأن مصالح الدول ستتعارض فيما بينها، وستعمل كل دولة على إغناء نفسها، وافقار الدول الأخرى، لأن المعادن الثمينة محدودة، وفي سبيل تحقيق هذه السياسة يصبح من الواجب على الدولة ان تتدخل، لأنها اقدر من الأفراد على ممارسة هذه الأعمال، وتحقيق تلك الغاية.

ولكن هذه السياسة قد أدت إلى أخطاء عديدة على الصعيد الاقتصادي فقد كانت السبب في تقلص النشاط الصناعي، والزراعي، والتجاري، وأصبحت سياسة خانقة تعرض التطور في مختلف الأنشطة الحياتية للخطر، وكذلك هو الحال على الصعيد الفكري، يضاف إلى هذا انها كانت سببًا رئيسًا في تلك العداوة التي نشأت بين الدول، وكانت إيذانًا حقيقيًا ببداية ظهور الاستعمار، وقد بلغ فيها تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي ذروته حتى وصل إلى حد تحريم بعض الملابس، وفرض أشكال معينة للأزياء، وتشجع بعض الصناعات، وعرقلة أو منع صناعات أخرى.

والحق فإنه بصرف النظر عن العوامل المنشئة للمذهب الفردي - فكرية كانت أو اقتصادية - فإنه من المؤكد ان هذا المذهب قد اعتمد في تحديده لوظيفة الدولة، والمجال الذي تعمل فيه على مبررات عديد بعضها قانوني وبعضها تاريجي، وبعضها الثالث اقتصادي.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) سادت السياسة المركانتيلية اوربا منذ اواسط القرن الخامس عشر حتى اواسط القرن الثامن عشر وكان من اكبر دعاتها (جان بودان) و (لافاماص) و (مونت كرينان) وتجد صداها الحقيقي في فكر (ماكيفالي) وقد اتاحت فكرة السيادة عند (بودان) ان تضفي صفة الشرعية على إرادة الملك في ان يتخذ ما يشاء وان يتدخل في حياة الأفراد باعتباره هو المعبر عن إرادة الدولة، وهذا هو ما قرره (ماكيافلي) الذي جعل الدولة مجرد هيئة تبحث عن القوة، والعظمة كي تضمن لنفسها البقاء، وتدعم نفوذها، وبهذا قد فصل القوة عن الأخلاق والدين، فالدولة في نظره نظام له قوة مستقلة عن بقية الاشياء، ويعتبر (كولبير الوفي) هو الواضع الحقيقي للمبادئ المركانتيلية والقائلة بأن كل شي، يجب ان يكون خاضعًا لقوة الامة، وغناها، وهكذا فان وضيفة الدولة في هذه الصورة مطلقة بلا حدود، ويقع على عاتقها التدخل في كل العمليات الاقتصادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت