في البداية وقبل أن نعرض لأبرز الأفكار والنظريات ذات التوجه الاجتماعي نود أن ننبه إلى أنه لم يكن هناك مناص أمام الدول التي سارت في فلك المذهب الفردي من أن تراجع مبادئها وتعيد النظر فيها، وقد كانت مدفوعة إلى هذا تحت ضغط النزاعات الاشتراكية التي شهدها القرن التاسع عشر والأزمات الاقتصادية في مطلع القرن العشرين وتحت وطأة مطالب العمال الملحة في تحسين ظروف العمل، وزيادة الأجور .. اضطرت الدولة تحت وطأة هذه العوامل أن تمد نشاطها إلى ميادين النشاط الخاص الذي كان محظورا عليها في الماضي، فاعادت النظر في توزيع الثروات، وتحديد الملكية وتقرير رسم الأيلولة على التركات، وتحديد الأجور، وساعات العمل إلى غير تلك الإجراءات.
وهكذا تعاظم الدور الذي تقوم به الدولة في الميدان الاقتصادي بين عهد (آدم سمث) في أواخر القرن الثامن عشر، وبين عهد (كينز) في منتصف القرن العشرين، فلم تعد الدولة مجرد لجنة لإدارة المصالح العامة للطبقة البرجوازية وأصبح من الصعب قبول مثل هذه الأفكار التبسيطية، فالدولة أصبحت محصلة تنازع عديد من القوى والمصالح السياسية والاقتصادية، وقد نجحت العديد من الأحزاب العمالية، والاشتراكية في العالم الرأسمالي في الوصول إلى الحكم، وإدارة الدولة ولفترات طويلة، ولذلك لم يكن تدخل الدولة في كثير من الأحيان موافق لرغبات البرجوازية ان لم يكن قيدا يرد عليها على أن الأحزاب العمالية، والتيارات الاشتراكية تشكل واحدا من العناصر الأساسية في القوى السياسية والاقتصادية في العالم الرأسمالي وثمة عامل مهم مرتبط بما تقدم يفسر تدخل الدولة المتزايد في الحياة الاقتصادية وهو الحرب الباردة، أو بصورة أعم التحدي الذي تطلقه مجموعة القوى المعادية للرأسمالية، فمناخ التحدي يجعل احتمال أزمة اقتصادية مثل أزمة 1929 - 1933 أمرا من الاستحالة بمكان، وحتى ندرك حجم هذه الاستحالة إذا تصورنا انه لو وجد في ألمانيا خمسة ملايين عاطل عن العمل في ذلك الوقت فإنا ندرك للتو أسباب هذه الاستحالة من وجهة النظر السياسية، ومن هنا كأن تدخل السلطات في الحياة الاقتصادية موجه قبل كل شيء ضد الأزمات.
ولعل مرد هذا التغير في الوظيفة الاقتصادية للدولة لا يرجع فقط إلى تأثير النزعات الاشتراكية، بل إن التغيرات التي طرأت على طبيعة المشاكل التي واجهتها الدولة استلزم إيجاد الحلول خصوصًا بعد الحرب العالمية الأولى التي أحدثت ارتباكًا واضحًا في التجارة هزت ميزان المدفوعات الدولية، فتعرض ذلك الارتياح الذي كان يتسم به التقليد الكلاسيكي إلى هزة عنيفة جعل الدولة تفكر بطريقة أخرى للتدخل في الشؤون ألاقتصاديه وذلك بغية تركيز الإنتاج في الضرورات الحربية، الأمر الذي أدى إلى تراكم الديون الطائلة وخلق سلسلة من الأزمات الاقتصادية التي لا تكاد تنتهي إحداها حتى تبدأ أخرى من نوع جديد، وقد واجهت أوربا عموما وبريطانيا على الأخص أخطارًا حقيقية اضطرتها إلى بيع جانب وافر من استثماراتها لتسديد ثمن مشترياتها من الآلة الحربية.
وخلال الحرب الكونية الأولى وبعدها حصل تضخم حول أعباء الاستثمار المصحوب بزيادة مذهلة في الأسعار، وعم هذا جميع بلدان العالم ثم أعقب هدا التضخم كساد ترتب عليه هبوط في الأثمان (أزمة 1920 - 1921) ثم أعقب هذا الكساد وذلك التضخم تناقص في الأسواق التي كانت تستوعب صادرات بريطانيا، وفي كل الأحوال كانت البطالة واحدة من مصاحبات الكساد، أو أثرًا من آثاره، وجاءت أزمة 1929 والتي تعد أعنف أزمة يمر بها النظام الرأسمالي في