فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 74

والحق أن هذا النوع من الاستخلاف لا يمكن تكييفه وبيان مركزه القانوني على أنه نوع من أنوع الاستخلاف الفردي، ومرد هذا أن الدولة في دخولها بمثل هذه المشاريع المختلطة فإنها إنما تبرم العقود لا باسمها بل باسم الأمة باعتبارها ممثلة لها وهي إذ تقدم التسهيلات سواء كانت هذه التسهيلات على شكل مساهمات مالية في أصل رأس المال، أو على شكل قروض أو تسهيلات مصرفية أم كانت هذه التسهيلات تتجلى في صورة استثمار مورد من الموارد، أو حصر الإنتاج، أو التسويق على ذلك المشروع وحجبه عن النشاط الفردي، أو تقييد ذلك النشاط وتضييق ساحة عملياته فإنها إنما تفعل ذلك كله باسم الأمة ورعاية لمصالحها وفي آن الوقت فهي إنما تتصرف بما يخص الأمة من مال أو موارد وبالتالي فإن عوائد المشروع وما يترتب عليه من استثمار إنما يعود على الأمة في ذلك الجزء من المساهمة.

وكذلك لا يمكن اعتبار هذا النشاط الاقتصادي للقطاع المختلط نوعًا من أنواع الاستخلاف الاجتماعي، وذلك لأن النشاط الفردي داخل ضمنأ في كل عملياته الاقتصادية سواء في مساهمته في رأس المال، أو إدارة المشروع، أو في العوائد المترتبة على الاستثمار، وهذا ما دفعنا إلى اعتباره شكلًا مستقلًا بذاته، وان مركزه القانوني مركز خاص يختلف عن مركز الاستخلاف الاجتماعي كما أنه يختلف عن مركز الاسخلاف الفردي، وان تكيفه متروك لسلطة الدولة التقديرية حسب ما تقتضيه المصلحة، وما تهدف إليه من استحداث مثل هذا النشاط وذلك لأن الأهداف التي تسعى الدولة إلى تحقيقها منه هي المحدد الأهم للمركز القانوني لهذا النشاط.

إن نظرية الاستخلاف بالشكل الذي قدمناه قد ترتب عليها نتائج على غاية كبيرة من الاهمية نجملها بالآتي:

أولًا: تمكين مختلف الأنشطة من الموارد سواء أكانت هذه الأنشطة قطاعًا خاصًا فرديًا، أم قطاعًا مختلطًا، أم قطاعأ عامًا طالما أنه يعمل ضمن المشروعية التي حددها القانون الشرعي، وهذا واجب عليها بقتضى ما لها من سلطان على الأموال موضوع الاستخلاف الاجتماعي، وما لها من سلطة تنظيمية على المال موضوع الاستخلاف الفردي، وهذا الوجوب يدل عليه قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ) ومفهوم التمكين الوارد في الآية له معنيان، أحدهما: حسي يقصد به أن للانسان مكانأ وقرارًا حسيًا، والثاني: يتناول وجوده العقلي وهو أنه مخلوق موهوب بالملكة وهذا يتضمن مواهب التسلط والتصرف فيها وكلا المعنيين هما مفهوم اللغة ومراد من الآية؟ ذلك لأن التمكين في اللغة هو السلطان والقدرة على التصرف والمكان والقرار، يقال: مكنته: جعلت له عليه سلطانًا وقدرة والذي يدل على أن كلا المعنيين مراد من الآية هو ربط المعيشة بالتمكين أي هيأنا لكم فيها أسباب المعيشة يقول الزمخشري في تفسير قوله تعالى: (وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الأَرْضِ) : (جعلنا لكم فيها مكانأ وقرارًا أو مكناكم فيها واقدرناكم على التصرف فيها) وهكذا فإن مفهوم التمكين يصبح إعطاء ما يصح به الفعل مع رفع المنع، لأن الفعل كما يحتاج إلى القدرة فقد يحتاج إلى آلة والى دلالة وسبب، ويحتاج إلى ارتفاع المنع. فالتمكين عبارة عن جميع ذلك، والجعل إيجاد ما به يكون الشيء على خلاف ما كان عليه.

وترتيبًا على هذا فإن على الدولة واجب تنفيذ مشيئة الله تعالى في الحكم الشرعي والكوني وذلك بأن تمكن الإنسان من الاستقرار الحسي وأن تمكنه من السيطرة والهيمنة على الطبيعة باعتبار أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت