العالم موضوع الإنسان ونطاقه، وهنا يتجلى دور الدولة بأن تتيح للمواهب أن تفصح عن نفسها في صورة الفعل المبدع ذلك لأن الإنسان مخلوق موهوب بالملكة فعلى الدولة أن تفسح آفاقًا واسعة في مختلف الأنشطة وذلك بما ينسجم وطبيعة الدولة والأهداف التي تسعى إليها في الفكر الإسلامي والتي تقوم على أساس مهم وهو مبدأ تكافؤ الفرص للجميع وأن تقمع الدولة كل الأساليب والوسائل غير المشروعة والمدفوعة برغبات أنانية إذا ما حاولت إفساد ذلك المبدأ العادل واساءة استعمال هذا التمكين. ويلاحظ أن هذا التمكين هو تمكين ارادي موجه نحو عمارة الارض وذلك باستثارة كل الطاقات وتوظيفها للحصول على أكبر خير ممكن من استثمار الموارد، وبناء أفضل ما يستطاع من الحضارة، ولعل هذا بعض دلالة الآية المتقدمة وتعبيرها عن ذلك بالجعل الذي هو إيجاد ما به يكون الشيء على خلاف ما كان عليه.
ثانيًا: إن واجب الدولة إقامة التوازن بين مختلف المصالح المتعارضة التي قد تنشأ عن ممارسة الأنشطة الاقتصادية فردية كانت أو اجتماعية وذلك بتنظيم الحقوق المتعارضة ونطاقها والمجال الذي تعمل فيه وهذا يستدعي قوة إشراف من الدولة مع ملاحظة أن قواعد الشريعة العامة تقتضي أنه في كل الأحوال التي تصطدم فيه المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة ولا يمكن الجمع بينهما فإنه يضحى بالمصلحة الخاصة وذلك إعمالًا للقواعد الفقهية التي تذهب إلى أنه يختار أهون الشرين وقاعدة الضرر الخاص يتحمل لدفع الضرر العام، وعلى هذا فليس للدولة باعتبارها تقود الاستخلاف الاجتماعي بأن تعتدي على الملكية الخاصة وذلك بجعلها ملكية عامة إلا في حدود ما تقتضيه المصلحة العامة وذلك لأن حقها ليس بأقوى من حق الفرد لان كلاهما - الفرد والدولة - يأخذان حقهما من القانون الشرعي باعتبار، منحة الحكم ومن ثم ليس للدولة أن تسلب حقًا تعسفًا وظلمًا، كما أنه ليس للفرد أيًا كان أن يمتلك ما هو ملك للجماعة إلا إذا خرجت الدولة عن ذلك، وذلك بالاستغناء عنه فإنه يجوز تملكه في هذه الحالة بعوض دون أن يكون في ذلك إضاعة لاموال الدولة.
ثالثًا: إن الدولة في إدارتها للأموال موضوع الاستخلاف الاجتماعي إنما تعمل في الحدود التي رسمها الشارع باعتبارها سلطة تنفيذية ويجب أن يكون عملها منوطًا بالمصلحة العامة؟ ذلك لأن الملكية الفردية (ليست وحدها مقيدة بحقوق الله فالملكية الجماعية في الإسلام تخضع لنفس الحدود والقيود بسبب وجوب تخصيص المال العام للانفاق على أغراض معينة حددتها الشريعة الإسلامية صراحة وتفصيلأ ونتيجة لوجود الواجبات العامة الي تفرضها الشريعة على الجماعة والتي تسمى فروض الكفاية. وهذه التكاليف التي تقع على عاتق الجماعة تجعل ملكيتها محدودة ومقيدة من حيث أهدافها ومن حيث الانتفاع بها واستعمالها) .
رابعًا: إن على الدولة واجب المحافظة على الأموال سواء كانت هذه الأموال هي موضوع الاستخلاف الفردي أو تلك الأموال الواقعة في حدود إدارتها وتحت سلطانها المباشر وهذه المحافظة لها وجهان:
أحدهما: سلبي، وهو عدم تضييعه والاعتداء عليه بالإتلاف ونحوه، وعدم إساءة استخدامه وهذا واضح في الأموال التي تخص الفرد وذلك لورود النصوص الدالة على ذلك مثل قوله (عليه الصلاة والسلام) : (إن الله يسخط لكم قيل وقال وكثرة السؤال واضاعة المال) فحجر الله تعالى على عبده في تضييع ماله الذي هو عونه على أمر دينه ودنياه وآخرته ولو رضي العبد بإسقاط حقه في ذلك لم يؤثر رضاه، وكذلك حجر الله على الإنسان الذي يلقي ماله في البحر وأن يضيعه من غير مصلحته ولا تأثير لرضا المالك في ذلك، لأن المال وان كان فيه حق للعبد إلا أن حق الله هو