المغلب، لأن فيه مقصدًا اساسيًا من مقاصد الشريعة فإذا ما أسقط الفرد حقه فإن هذا يستتبعه بالضرورة إسقاط حق لله غالب وهذا لا يجوز، و تأسيسأ على هذا شرع الاسلام جهاز ضمان المتلفات وذلك بإلزام المتلف ضمان ما أتلف بالمثل ان كان مثليًا وبالقيمة إن كان قيميًا.
واذا كان الفقه الإسلامي قد عالج موضوع الضمان واشترط فيه أن يكون المضمون مالًا متقومًا في ذاته، وأن توجد المماثلة بينه وبين المال الذي يعطي بدلًا عنه، وبالتالي اشترط في الضمان شرطين أساسيين وهما التقوم ومعياره الانتفاع والإحراز، فإن هذا النظر الفقهي يثير مشكلًا على غاية كبيرة من الأهمية وهو في حالة اعتداء الأفراد على الأموال العامة التي يمكن الانتفاع بها ولكن لن يتحقق فيها شرط الإحراز وذلك مثل الأموال المباحة فلو حصل الاعتداء عليها هل يضمن الفرد بتعديه؟
وللإجابة على هذا نقول:
إن نصوص الفقهاء القدامى وعباراتهم تشير إلى عدم تضمينه، وهذا النظر معلل عندهم بأكثر من تعليل مثل عدم الإحراز، أو عدم وجود معايير دقيقة يمكن الاحتكام إليها في تقييم التآلف في مثل هذا النوع من الأموال، ولكن بالجملة فإن الفقهاء قد أجمعوا على أن الاعتداء على مثل هذه المرافق محرم وإن فاعله قد اجترح إثمًا وارتكب خطًا، ولعل هذا هو السبب أو واحد من الأسباب التي دعت الفقهاء إلى عدم القوؤل بضمان المتلف من هذا النوع وذلك لأنه بات من المقررات الفقهية أن الدولة من حقها بل ومن واجبها ايقاع العقوبات التعزيرية على كل فعل محرم ويترك لها تقدير الفعل الجرمي، ومقدار المخالفة حسب ظروف الجاني، وطبيعة الفعل، وظروف الواقعة، وتكييفها، ومما لاشك فيه أن من جملة العقوبات التعزيرية هي عقوبة الغرامة المالية وهي نوع من الضمان وان كانت الغاية منها هي العقوبة أولأ وبالذات.
وثانيهما: إيجابي، وهو استثمارها للأموال وتوظيفها وذلك لأن في حجبها عن الاسثمار إضاعة لها وهذا أيضًا يشمل مختلف الأنشطة الاقتصادية فردية كانت، أم اجتماعية، أم مختلطة، لأن تعطيل الاستثمار إضاعة لفرصة التوظيف والحصول على الفوائد التي تعود بالخير على الأمة، وهذا ما دفع الشرع الحكيم إلى تحريم الاكتناز والحجر على السفيه. والدولة في ذلك شأنها شأن الفرد مخاطبة بالحكم الشرعي الذي يوجب استعمار الأرض وتثمير الموارد يضاف إلى ذلك أن الدولة مدفوعة لاستثمار مواردها لانها ملزمة شرعًا بسد الحاجات، وبلوغ حد الكفاية وهذا يضيف عليها عبئًا ماليًا يفرض عليها باستمرار أن تطور من استغلال الموارد الموجودة وأن تعمل على إيجاد موارد جديدة حتى تتمكن من الإنفاق على مختلف الأنشطة العملية.
خامسأ: إن للدولة حقأ بمقتضى سلطتها التقديرية التي منحها الشارع لها باعتبارها ممثلة للأمة، أن تطور من مفهوم الأموال محل الاستخلاف الاجتماعي؟ ذلك لأن الأموال التي سبق الإشارة إليها لم ترد حصرا فيها بل هي نتيجة استقراء للنصوص الواردة عن النبي (صلى الله عليه وسلم) مثل قوله: (الناس شركاء في ثلاث) وما كان عليه العمل في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) وما دلت عليه الوقائع والحوادث على عهد الخلفاء الراشدين من أنهم قاموا بفرض الحمى على بعض الأراضي، وهذه الضروريات لم ترد على سبيل التوقيف من الشارع بل إن للعصر وظروفه وشروط الواقع وخياراته ما يحدد للدولة طريقة تطبيق هذا المبدأ وحدود استعماله والمجال الذي يعمل فيه حسب مقتضيات العصر وضروراته، وهذا المبدأ هو ما اصطلح على تسميه بمبدأ تأميم الموارد العامة، وهكذا يمكن أن يقاس على الأموال موضوع (( الاستخلاف الاجتماعي ما كان مثلها ضروريًا للمجتمع فلا يترك للنشاط الفردي وذلك كلما كان هذا النشاط ينشأ عنه