فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 74

الاتجاه الثاني

ويقول به الحنفية والشافعية والظاهرية والزيدية حيث ذهبوا إلى أن للمالك أن يتصرف في خالص ملكه يشاء دون أن يرد على حقه في التصرف في ملكه قيد عدم إلحاق الضرر بالغير، ويلاحظ أن أصحاب هذا الاتجاه وان اتفقوا على ما تقدم إلا أن لكل فريق تفصيلات في مذهبه.

وفي الحقيقة فإنه بعد هذا العرض يمكننا القول دون أن نخرج على الحقائق الموضوعية، أو نفتات على المنطق أن أحدًا من الفقهاء لم يقل بحرية المالك في التصرف في ملكه بصورة مطلقة، أو بتعبير أدق إنهم لم يقولوا بحق فردي مطلق من كل قيد وان اختلاف وجهات النظر بين الشرعيين ليس في تقييد حق المالك في التصرف في ملكه وإنما هو اختلاف في معايير الضرر أو التعدي فإذا صح لنا أن ننظر فيما تقدم نجد أن بعض هؤلاء الفقهاء قد منعوا لازم التعسف وذلك حين قرروا أن من يفتح نافذة على جاره يلزم أن لا يطلع على العورات كما ذهب الظاهرية ومما لا شك فيه أن هذا القيد يرد على حق المالك والذي يدعم أن الخلاف بين الشرعيين مرده خلاف في المعايير أن الحنفية قد قيدوا حق المالك بالضرر الفاحش، والشافعية قد قيدوه بأن يكون التصرف معقولًا أو معتادًا، ونفس الأمر يسري على الامامية الزيدية حيث استثنوا مضار الجوار بين الملاك المتقاسمين والاستثناء قيد بدون أدنى شك، ونفس الأمر يسري على قول الإمام أبي حنيفة حيث ذهب إلى أن حق المالك مقيد ديانة وذلك في وقت كان للوازع الديني أثره في ضبط سلوك الأفراد فلما ضعف هذا الوازع وخربت الذمم ذهب متأخرو الحنفية إلى تقييده تحقيقًا للمصلحة على أن الفقهاء جميعهم يفترضون في التصرف الذي يقوم به المالك أن يكون مشروعًا ومما لا شك فيه أن المشروعية قيد يرد على كافة الحقوق ومما تقدم نخلص إلى أنه ليس هناك حق مطلق خال من أي قيد وان اختلفوا فيما بينهم في حدود هذه القيود ضيقًا أو اتساعًا وأنه ما من حق فردي إلا وهو مشوب بحق لله تعالى، وتأسيسًا على هذه النتيجة ترتب عليها حقيقة أخرى وهي أنه لما كانت الدولة بأجهزتها ومؤسساتها ممثلة للهيئة الاجتماعية ومنفذة للقانون الشرعي ولما كان حق الله تعالى منوط بها في تحصيله وتحقيقه والمطالبة به واستيفائه كما ذهب إلى ذلك الشرعيون جميعًا (1) فأن للدولة سلطانًا في رسم حدود الحق الفردي، ونطاقه، والمجال الذي يعمل فيه،

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) رتب الفقهاء على تقسيم الحقوق إلى حق لله وحق للعبد عده آثار وهي كالاتي:

1.الإسقاط: كل ما كان من حقوق الله ليس للعبد إسقاطه وفى جميع الأحوال التي يكون فيها الحق دائرًا بين الله والعبد لا يجوز للعبد إسقاط حقه إذا ترتب عليه إسقاط حق الله وهناك من الحقوق ما تقرر لمصلحة الأفراد ومؤدى هذا أن يكون من حق الأفراد، ومع هذا ليس للعبد إسقاطه ولو كان برضائه لم يؤثر هذا الرضا شيئًا بل يعتبر باطلًا كتحريم عقود الربا صونا للاموال.

2.الإرث: الحقوق التي لا تقبل الانتقال من المورث إلى الوارث هي حقوق الله أو المغلب فيه حق الله أما بقية الحقوق فمنها ما يقبل الانتقال ومنها ما لا يقبله.

3.تحريك الدعوى: حقوق الله الخالصة وتلك التي يغلب فيها حق الله يجوز لكل مسلم عدل رفع الدعوى فيها. اما حقوق العبد أو الغالب فيها حق العبد فيتوقف تحريك الدعوى فيه على صاحب الحق نفسه.

4.الملاحقة: ملاحقة الاعتداء الواقع على الحقوق يختلف تبعًا لاختلاف الحقوق وكونها حقًا لله أو للعبد فاذا كان الحق لله فان كان من باب الأمر بالمعروف فانه يجب على المحتسب أن يقوم بالملاحقة من تلقاء نفسه. =

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت