فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 74

وتأسيسًا على ما تقدم يكون الفكر الإسلامي قد استقر في رؤيته للسلطة على أنها قدرة التصرف الحر التي تباشر بحكم سموها مهمة حكم المجتمع عن طريق تطبيق النظام، والقانون، وبصورة مستمرة.

ويلاحظ أن الفكرة الأساسية التي سار عليها الشرعيون في بيان مفهوم السلطة السياسية هو أعم من مفهومها في المصطلح الحديث، لأنها تنتظم سياسة الدين والدنيا فهي تعمد بالأساس على ذلك الربط الموضوعي والتلازمي بين الدنيا والدين، والمعبر عنه عندهم، و إذا توخينا الدقة عند بعضهم بنظام الدنيا والدين، وبالتالي فان السلطة السياسية بل الدولة بكامل أنشطتها تجد شرعيتها من خلال تحقيقها لانتظام دنيوي ليس مقصودا لذاته بل لأنه يحقق غايات دينية.

ومن خلال العرض المتقدم يتضح لنا أن الدولة ظاهرة سياسية واجتماعية ومادية وقانونية فهي تتألف من كل هذه الأنشطة.

وإذا كانت الدولة على هذا الشكل فما هي وظيفتها وما مدى هذه الوظيفة هذا ما نحاول الإجابة عليه على هدى الصفحات التالية.

لم يعرف الفقه الإسلامي ذلك النزاع بين الحقوق الذي عرفه الفكر القانونى الوضعي مما حدا ببعضه إلى عدم الاعتراف بالعديد من الحقوق بدعوى تعارضها مع حقوق أخرى محمية، ذلك لأن الإسلام يرسم لكل حق حدودًا معينة لا يمكن تجاوزها وهو في تقريره للحقوق أو رفضه لا ينطلق من النظرية الفردية التي تجعل الفرد في مركز قانوني أعلى من المجتمع، أو المغالاة في الاتجاه الجماعي الذي يجعل من الإنسان مجرد آلة في عمليات المجتمع وانما يقيم الموازنة بين الحقوق الفردية وبين الحقوق الجماعية ذلك، لأن مفهوم الحق في الفقه الاسلامي عمومًا يرتبط بمفهوم الواجب، ففي الوقت الذي يعطي الحق لصاحبه فرصة التمتع به يلزم الآخرين حكامًا كانوا أو أفراد واجب تمكين الفرد من ممارسة هذا الحق وعدم الحيلولة بينه وبين التمتع به شريطة ان لا يخرج في ممارسته على حدود المشروعية لهذا الحق أو بمعنى آخر أن الحق في الوقت الذي يمكن صاحبه من التمتع به يغل يد السلطة وكذلك الأفراد من التدخل في شؤونه ويلزمه بعدم التعدي على الآخرين وهو يمارس حقه.

ويلاحظ أن الشريعة الإسلامية اذ منحت الفرد حقوقه الشخصية والتي تدور بالجملة حول الحرية والعصمة والملكيه فإنها لم تمنحه هذه الحقوق وبصورة مطلقة من أي قيد. ذلك لأن الحق مرتبط بالمسؤولية ومدى تمثل الفرد لها يدل على ذلك ويرشد اليه النصوص الكثيرة التي تفيد أن الإنسان إنما يتحمل عبء أفعاله خيرة كانت أم شريرة صغيرة أم كبيرة مثل قوله تعالى: (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) وقوله تعالى: (وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ) ولعل مسؤولية الفرد تبدو أكثر تفصيلا في قوله (عليه الصلاة والسلام) : (ألا كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته فالأمير الذي على الناس راع وهو مسؤول عن رعيته والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم والمرأة راعية على بيت بعلها وولدها وهي مسؤولة عنهم والعبد راع على مال سيده وهو مسؤول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) يقول

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت