سنحاول على مدى الصفحات التالية ان نبين دور الدولة في الأنشطة الاقتصادية وفق التصور الذي صممه الاقتصاد السياسي الإسلامي وعلى النحو الاتي:
أن الفكر الإسلامي على اختلاف مذاهبه مجمع على وجوب وجود سلطة عامة وذلك باستثناء رأي يذهب إلى القول بجواز هذا النصب لا وجوبه، فهي عندهم مبنية على معاملات الناس فان تعادلوا، وتعاونوا، وتناصروا على البر والتقوى استغنوا عن الإمام ومتابعته فان كل واحد من المجتهدين مثل صاحبه في الدين، والإسلام والعلم، والاجتهاد، والناس كأسنان المشط فمن أين يلزم وجوب الطاعة لمن هو مثله ونحن نعتقد أنه بمتابعة رأي الأصم والفوطي متابعة علمية نجد أنهم لم ينكروا ضرورة السلطة، غاية الأمر أنهم ربطوا بين السلطة والغرض منها فإذا دعت الحاجة إليها كانت واجبة ويتخلف هذا الوجوب إذا زال الغرض الموجب لها، ولعل المعتزلة هم أول من تنبه إلى هذه الحقيقة وتأسيسا على ما تقدم فإن الفكر الإسلامي مجمع على وجوب وجود السلطة المنظمة لعملية المجتمع ومسيرته وان اختلفوا في مدرك هذا الوجوب.
ويلاحظ أن أهم ما يميز هذه السلطة في الفكر الإسلامي انه يجب أن تنفرد بكل وسائل القوة، والقهر بكل مظاهرها الاقتصادية أو الدينية، أو العسكرية، أو الفكرية، ومن هنا فقد جعل الشرع الخلافة اسما لمن له الولاية على الأمة وتصريف أمورها على وجه لا يكون فوق يده يد. فلا قيام للدولة ما لم تكن سلطتها لا تقهر أي لا يوجد أمامها في الداخل قوة أقوى منها، او منافسة لها، وهذه القوة التي تتمتع سها سلطة الدولة يجب أن تكون قوة مادية وواقعية، وتخلف هذه القوة، يعني فناء الدولة وزوالها. يقول الماوردي:
(( وأما القاعدة الثانية فهي سلطان قاهر تتألف برهبته الأهواء المختلفة، وتجتمع بهيبته القلوب المتفرقة، وتكف بسطوته المتغالبة، وتقمع من خوفه النفوس المتضاربة لأن في طباع الناس من حب المغالبة والمنافسة على ما آثروه والقهر لما عاندوه وما لا ينكفون عنه إلا بمانع قوي ورادع ملي ) ).
ولعل اهم ما يميز السلطة السياسية في الفكر الإسلامي أنه يجب أن تستند إلى إرادة الأمة التي تحكمها، لأن قيام الدولة، أو بتعبير آخر تأسيس السلطة يرتبط برضاء الأفراد، ومن ثم يلزم أن تظفر هذه السلطة باعتراف الأفراد وقبولهم لها، وهذا ما أجمع عليه الفكر الإسلامي في كل اتجاهاته، يستوي في ذلك من قال منهم بالوجوب العقلي، أو الوجوب الشرعي، أو بكليهما طالما أن الوجوب هو على الأمة لأن طريق النصب عند هؤلاء هو اختيار (1) الأمة على اختلاف بينهم فيمن يمثل الأمة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذهب جميع المعتزلة وجميع الخوارج، وجميع أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث ما عدا البكرية إلى أن طريق نصب الخليفة هو الاختيار والعقد وهذا ما ذهبت إليه الزيدية من الشيعة. بعد إمامة علي والحسن والحسين وذهب قلة من أهل السنة وبعض الظاهرية إلى القول بان أبا بكر تولى الخلافة بنص من الرسول (صلى الله عليه وسلم) ، وذهبت الشيعة إلى القول بالنص لأن الخلافة ليست من المصالح العامة التي تفوض إلى نظر الأمة ويتعين القائم بها بتعيينهم، بل هي تعين بالنص عليه من النبي (صلى الله عليه وسلم) ثم من المعصوم.