ولا احتجازها دون المسلمين، لأن في مثل هذه الإجراءات ضررًا على الأمة وتضييقًا عليها ولأن هذا النوع من الموارد مما تعلقت به مصلحة الأمة العامة فلم يجز أن يختص به واحد بانفراده وقد استدلوا لهذا الذي ذهبوا إليه بما روي عن حمال المأربي قال: استقطعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) معدن الملح بمأرب فأقطعنيه فقيل: يا رسول الله إنه بمنزلة الماء العد - يعني أنه لا ينقطع - فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : فلا إذن.
فقد دل هذه الحديث أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لما أقطع حمالأ المأربي الملح الذي بمأرب ثم ارتجعه منه انه إنما أقطعه أرضأ مواتأ يحييها ويعمرها فلما تبين للنبي أنها معدن ملح لا ينقطع مثل ماء العيون والآبار ارتجعه منه، لأن سنة رسول (صلى الله عليه وسلم) في الكلأ والماء والنار أن الناس جميعًا فيه شركاء فلم يشأ أن يجعله لرجل واحد يحوز، دون الناس، يقول الشافعي (كل عين ظاهرة كنفط أو قار أو كبريت أو مومياء أو حجارة ظاهرة في عين ملك لأحد، فليس لأحد أن يحتجزها دون غيره، ولا لسلطان أن يمنحها لنفسه، ولا لخاص من الناس لأن هذا كله ظاهر كالماء والكلأ) .
وهي تلك التي لا ينتفع بها أحد بعينه بل ينتفع بها عموم الناس وفي حالة كونها موضوعًا للاستخلاف الفردي لا تحقق أغراضها وأهدافها وهذا النوع يشمل الطرق العامة، والمساجد، والأنهار، والمدارس، والساحات العامة وغيرها، ومرد صعوبة كون هذا النمط من الأموال موضوعًا للاستخلاف الفردي يرجع إما لتعذر ملكيتها وحيازتها من قبل الأفراد وذلك لطبيعة تكوينها مثل الأنهار، أو أن طبيعتها قابل للحيازة الفردية من حيث هو كذلك ولكن تعلق مصالح الجماعة بها يجعلها تنتظم في سلك الاستخلاف الاجتماعي، وهكذا يدخل في عموم هذا الاستخلاف الأموال المحبوسة على النفع العام مثل الطرق العامة والمياه والأنهار والأسواق العامة والقناطر، فالمسلمون شركاء في المياه والانتفاع بها سواء كانت أنهارًا كبيرة مثل دجلة والنيل والفرات أم كانت وديانأ أم عيونأ طالما أصبحت من مرافق المجتمع، وتعلقت به مصالحه فلهم أن يسقوا منه وليس لأحد أن يحبس الماء عن أحد وكذلك الشأن في الطرقات، والساحات العامة، فللجميع الجلوس والوقوف فيها لغرض الاستراحة والمعاملة ونحوهما بشرط أن لا يضيق على المارة وأن لا يضر بأحد.
فإن مثل هذه الأموال تبقى على حكم الملكية العامة للدولة ولا تكون ملكًا خاصًا لأحد وفي الأحوال التي تقتطع منها الدولة جزءً من هذه الأموال لفرد، أو لمجموعة أفراد فإنها بذلك إنما تملكهم المنفعة لا الرقبة ويدخل في عموم هذا النوع الأراضي التي فتحت عنوة مثل أرض السواد إذ أبقى عمر بن الخطاب أهلها عليها وضرب الخراج عليهم فإنه ملكهم المنفعة دون الرقبة ونظير هذا الأوقاف الخيرية واقطاعية الدولة ونحوها.