فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 74

على الرغم من أن دور الدولة لم يظهر في الفكر الكينزي حتى هذه السطور إلا أنه ما كان بالإمكان معرفة هذا الدور لولا ما قدمناه من تحليل لهذا الفكر ذلك لأن فكر (كينز) في حقيقته وجوهره، أو في غاياته وأهدافه يسعى إلى بيان دور الدولة في الاقتصاد، وضرورة تدخلها، وأن ترك الاقتصاد للسوق وقواه التلقائية ليس بإمكانه أن يوصلنا إلا إلى الفوضى وعدم الاستقرار والتوازن، فمن دون التدخل الحكومي في الاقتصاد يبقى هناك شبح حدوث البطالة الجماهيرية، وحدوث الكسادات الدورية وإذا صح لنا أن نعيد صياغة ما تقدم فإن النظرية الكينزية ليست إلا اصطفاء التحولات التي تستطيع السلطة المركزية أن تؤمن الإشراف عليها أو إدارة دفتها، عن دراية ضمن النظام الذي عاش فيه.

ومن هنا نجد (كينز) قد زاد من دائرة عمل الدولة في مجال الإنفاق وقيامها بعمليات استثمار واسعة وذلك عندما يضعف الحماس ويتزعزع تفاؤل رجال الأعمال الذي يدفعهم إلى الامتناع عن القيام بتوظيفات جديدة ذلك، لأن الدولة إذا أخذت على عاتقها القيام بأي مشاريع للاستثمار فإنها ستكون نافعة بصرف النظر عن أي حساب دقيق لغلتها المتوقعة، لأن الأموال التي تستثمرها قادرة على أن تولد دخلا يوازن الأرباح على أن الدولة حين توظف أموالًا فإنما تتأثر بالظن العام القائل بأنه يمكن انتظار بعض المنافع الاجتماعية من التوظيف بغض النظر عن المردود التجاري الذي سيتلخص منه (1) ، وهكذا نستطيع من خلال التوظيفات الجديدة أن نخلق جوًا من التفاؤل بين رجال الأعمال.

ولما كانت الدولة قادرة على أن تحسب الكفاءة الحدية لرأس المال عند إلقاء نظرة بعيدة واعتبار المصلحة الاجتماعية للجماعة فإن (كينز) يتوقع من الدولة أن تأخذ على عاتقها مسؤولية متزايدة في تنظيم التوظيف تنظيمًا مباشرًا.

إن (كينز) ظل يعتقد بأن الدولة قادرة على أن تؤثر في مستوى النشاط الاقتصادي وذلك من خلال الإنفاق سواء كان ذلك على الاستهلاك أو على الاستثمار، ومن ثم نستطيع زيادة الطلب وزيادة العمالة وبذلك يصبح من مسؤولية الدولة أن تتدخل للقيام بإنفاق جديد وطرح قوى شرائية في السوق إذا كان الطلب الإجمالي غير كاف لتحقيق التشغيل الشامل، بيد أنه كان ينظر إلى تلك النظريات التي تعتقد أن زيادة الاستهلاك هو الحل الحقيقي لمشكلة البطالة لا تخلو من المبالغة في عصر لا يزال ينتظر فيه الكثير من المنافع الاجتماعية من ازدياد التوظيف، أو يأخذ عليها بأنها تهمل وجود وسيلتين لزيادة الإنتاج، وأضاف بأنه شخصيا مأخوذ بالمنافع الاجتماعية الناجمة عن زيادة رأس المال ريثما يكف عن أن يكون نادرًا، ومع ذلك فإنه اعترف بأن الحكمة تقتضي السير في الاتجاهين معًا. يقول (كينز) : (( وإذ نتمنى بدافع من الروح الاجتماعية أن تكون سيالة التوظيف مسيرة بحيث تنخفض فعالية الرأسمال الحدية انخفاضًا تدريجيًا نقبل أيضًا أن تطبق في نفس الوقت كل التدابير الكفيلة بزيادة الميل إلى الاستهلاك وهاتان السياستان لا تزيحان أبدًا بعضهما بعضا إذ ليس هناك ما يمنع من زيادة التوظيف مع رفع الاستهلاك في نفس الوقت ) ).

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) بيد أن الدولة تكترث قليلا بمعرفة هل يلبي التوظيف أم لا الشرط الذي ينص على أن يكون التنبؤ الرياضي بالمردود أعلى من معدل الفائدة الجاري على أن معدل الفائدة الذي تضطر السلطات العامة على دفعه يمكنه أيضا أن يقوم بدور حاسم بتحديد أهمية التوظيفات التي يمكن للسلطات أن تسمح لنفسها به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت