فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 74

وفي الحقيقة فإن (كينز) إذ أعطى أهمية بالغة للاستثمار أكثر من تلك التي أعطاها لطرف رفع الاستهلاك فإنه كان متناغما مع التحليل الاقتصادي السليم، لأن الاستثمار فضلا عما يحققه من منافع اجتماعية متوخاة فهو واقع تحت مقدور الدولة وفي إمكانها مباشرته، وهذا بخلاف الاستهلاك وذلك، لأن الاستهلاك يتوقف على الدخل وعلى الميل إلى الاستهلاك ولما كان الدخل متغيرا تابعا فإنه لا يمكن تغيره إلا بتغير المتغيرات المستقلة في النظام - صحيح أنه من الممكن إجراء تعديلات على الميل إلى الاستهلاك وبالتالي رفع الاستهلاك والذي يؤدي بدوره إلى رفع الدخل وارتفاع الأخير يؤدي إلى ارتفاعات أخرى في الاستهلاك إلا أنه يبقى الميل إلى الاستهلاك محكوم بالعادات والتقاليد وبجوانب نفسية تمنع المستهلك من إجراء تعديلات على خياراته، او تسمح للآخرين بالتدخل في شؤونه، وهكذا يكون (كينز) قد رأى أنه بإمكان المصاريف العامة أن تتدارك قلة التوظيفات الخاصة وذلك في الأحوال التي يكون فيها هبوط في الدخل وبطالة كثيفة بالأصل ويفضل المضاعف يزيد كل مصروف عام الدخل القومي بمبلغ أكبر منه هو نفسه، وهكذا تنشأ نظرية المصارف العامة الإضافية (قانون مضخة الرواج) وهكذا فإننا نذهب إلى عكس هذه السياسة وذلك حين يصبح هناك خطر حدوث حالة من التضخم ويوشك أن يقع ارتفاع كبير في الأسواق فأن خير وسيلة لإنقاص الطلب الفعال هو لجوء الدولة إلى تقليص الإنفاق الحكومي (1) الذي يدعمه ارتفاع سعر الفائدة وفرض ضرائب على الإنفاق وعلى الاستهلاك وهذا الإجراء فضلًا عن سرعته وسهولته ولا يتسبب في إشكالات سياسية واقتصادية فإنه لا تكون له آثار ضارة على الاستثمار الخاص ومن ثم التوظيف، وهكذا يجب على الدولة التدخل لتحديد حجم الإنفاق والطلب الإجمالي بما يحقق الاستقرار النقدي، ويحول دون زيادة الأسعار بشكل رهيب.

وإذا كان (كينز) قد رأى أن من واجب الدولة أن تتدخل من خلال الإنفاق وتقليصه في حالة الانكماش والتضخم فإنه يرى وجوب تدخل الدولة والتأثير على توزيع الدخول تلك النقطة التي كانت واحدة من أكبر نقاط الضعف في الدولة الرأسمالية، وذلك من خلال فرض الضرائب التصاعدية، وضريبة الدخل، وضريبة الإرث، وهذا يحقق تقدما عظيما في تخفيض الفوارق الكبرى في الثروة والدخل، ويرى أن امتناع الطبقة الميسورة عن دفع هذه الضرائب يعاكس نمو الثروة أكثر مما يساعد عليه ذلك، لأن التجربة تبين أن ادخار المؤسسات وأموال الاستهلاك تؤمن في الظروف الحالية ادخارًا. يفيض عن الكفاية كما يتبين لنا أن الآراء التي تعيد توزيع الدخل في منحنى ملائم للميل إلى الاستهلاك قادرة على أن تسرع كثيرًا. في تنمية رأس المال.

وهكذا اعتقد (كينز) أن التفاوت الكبير في توزيع الدخل يميل إلى زيادة الادخار والحد من الاستثمار وهو بهذا يتفق مع (ماركس) و (روبنسن) إلا انه أفصح عن آرائه بصورة أكثر دقة ومهارة ويلاحظ أن (كينز) ظل يعتقد أن العوامل النفسانية والاجتماعية هي التي تبرر ذلك التفاوت في الثروات والمداخيل، ولكنه مع ذلك كان يرفض أن تكون هناك أسباب حقيقية تبين

ـــــــــــــــــــــــــــــ

(1) ويلاحظ أنه هناك عدة طرق لمعالجة الطلب الفعال والتضخم. أحدهما ما ذكرناه أعلاه. وثانيهما تخفيض الاستهلاك إلا إن هدا النوع من المعالجة يتوقف على الدخل وعلى الميل إلى الاستهلاك، وقد رأينا أنه محكوم بمقدار إقناع الناس بالادخار عند كل مستوى من مستويات الدخل وهذا مشكوك فيه في الأوقات العادية. وثالثها هو فرض ضرائب على الدخل الذي كان يتم إنفاقه على الاستهلاك. وهذا الإجراء فعال للحد من التضخم إلا أن له مصاحبات ضارة بأن يزيد من الادخار السالب أو يقلل من الاستثمار، لأنه يسمح لسعر الفائدة بالارتفاع وبالتالي تختنق المشاريع الأقل ربحا. رابعا: مهاجمة التضخم برفع سعر الفائدة وهذا يؤدي بدوره إلى تقييد الاستثمار وما يترتب عليه من آثار المضاعف على الدخل، وقد يؤدي إلى الانكماش، وقد يسبب تشاؤمًا يزيد عن الحد بالنسبة لرجال الأعمال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت