فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 74

ان كل من تحدث عن اسباب الازمة المالية الحالية يحاول ارجاعها الى اسباب فنية مثل شحة السيولة لدى المصارف ومرد هذه الشحة يرجع الى عجز المقترضين عن سداد الديون ولعل سبب هذا العجز مرده الى مشكلة الرهون العقارية وهذا صحيح من الناحية الفنية البحته خصوصًا اذا ما علمنا ان حجم الديون العقارية في امريكا فقط قد زادة على عشرة ترليون يضاف الى هذا ان هذه المديونية ليست محصورة في البنك الذي اقرض وانما في العادة يتم في ضل النظام المصرفي الرأسمالي بيع هذه الديون الى بنوك وشركات اخرى مقابل استحصال مبالغها أو جزء منها او بيعها الى شركات التامين مما يعني اننا بازاء شبكة اخطبوطية مالية شديدة التعقيد. ولنا ان نتصور حجم المشكلة اذا علمنا ان الاقراض في امريكا فقط قد تم بأكثر من ضعفي الناتج القومي الامريكي.

ومما يزيد المشكلة تعقيدًا ان شح السيولة لدى المصارف والشركات قد ادى الى تراجع الطلب الكلي على الاستهلاك نتيجة لعدم وجود سيولة لدى الافراد والمؤسسات مما ادى بدوره الى الكساد لعدم وجود طلب حقيقي فعال على السلع والخدمات ان هذه المشكلة مشكلة معقدة ومركبة ذلك ان الاستهلاك في النظام الرأسمالي هو الداينمو والمحرك الاساس للاقتصادات الرأسمالية الكبرى وهكذا وقع الاقتصاد الرأسمالي في متواليات من التدهور مما ادى الى دخوله في مرحلة الركود العظيم.

لقد توهمت الرأسمالية في مرحلة من مراحلها انها قادرة على قيادة العالم اقتصاديًا خصوصًا بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وتفرد امريكا بالقطبية الواحدة في ادارة العالم سياسيًا واقتصاديًا وفي مرحلة التسعينات وما تلاها باتت امريكا من خلال المؤسسات المالية التي تسيطر عليها مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية (الجات) وغيرها من المؤسسات المالية العالمية تصدر وصفات جاهزة وشروطًا ربما كانت في اغلبها ضالمة ومجحفة بحق الدول والشعوب النامية مما جعل فكرة الدولة القومية او الدولة السيدة التي تقود اقتصاداتها وفق فلسفة اجتماعية ترتب فيها اولويات كل دولة تنحسر نتيجة لاستجابة الدول للوصفات التي تقدمها الادارة الامريكية.

يضاف الى ما تقدم ان الادارة الامريكية وبحكم انفرادها بقيادة العالم قد عبأت العالم اعلاميًا بمقولة مفادها ان الرأسمالية هي النظام الاقتصادي الاوحد القادر على تسيير مختلف الفعاليات الاقتصادية وبنجاح وصولًا الى الرفاه وهذا ما حدى بكثير من مفكريها الى الكتابة بموضوعات مثل نهاية التاريخ كما عبر عنه (فوكا ياما) وصراع الحضارات (همنتجون) وغيرهما من الذين صوروا الرأسمالية بانها الجنة الموعودة وان العالم سيصل الى هذه الجنة مضطرًا ومجبرًا وان اختلفت ادواتهم ووسائلهم فبعضهم سيصلها بقطار واخر سيصلها بطائرة وثالث سيصلها على بعير فالعالم كله مرغم على الوصول الى جنة الرأسمالية الموعودة.

وربما فسر لنا هذا الذي تقدم من بعض الاوجه حملات امريكا في غزو العالم سواءً في العراق او افغانستان وتدخلها السافر في كثير من شؤون الامم والشعوب باعتبار ان هذه الاعمال هي الصدى المنطقي لقيادة العالم وان كنا ندرك الان وبيقين ان هذا يعد واحدًا من اسباب الازمة المالية التي تعانيها امريكا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت