فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 74

للاقتصاد السياسي البرجوازي الذي أصبح ذرائعيًا بعد أن كان تبريريًا، وأن ذرائعيته تضعه في غالب الأحيان في خدمة الطبقة البرجوازية وأن الغايات التي يسعى إليها من تدخل الدولة هو إنقاذ النظام الرأسمال وأن كل ما فعله أنه أقام بناء نظريا ضخما داخل الرأسمالية كنوع من الدواء الذي يستطيع أن يمد في عمر الرأسمالية بعض الوقت وأنه قد يكون لوصفات (كينز) مفعول ما في تأخير أزمة الرأسمالية لبعض الحين على حد تعبير (فارجا) عميد النظريين السوفيت.

وفي الحقيقة فإنه ليس من العدل إن نصف الفكر الكينزي بمثل هذه الأوصاف، لأن (كينز) كان يصدر في أفكاره بعيدًا عن ذلك النزاع العقائدي الناشب بين النظامين الاشتراكي، والرأسمالي بل كان يبني كيانه النظري وفق منطق. متماسك لا دخل له بالموضوعة العقائدية، وهكذا جاءت الحلول التي اقترحها صالحة لأي نظام بغض النظر عن الخلفية العقائدية، المهم أن تأخذ الدولة على عاتقها توفير العمالة، ومحاربة الانكماش بوسائل فعالة، ومن هنا فأن تأثير (كينز) على الشؤون العمالية كان ولم يزل أعظم بمراحل كبيرة من أثر أي اقتصادي آخر في القرن العشرين، ولعل أهمية التحليل الكينزي الذي صاغه بتماسك ومهارة، يرجع إلى وجهة نظر تاريخ المذاهب الاقتصادية هو أن نظريته كانت قابلة للتطبيق تطبيقًا حاضرًا، وهكذا لعب هذا التحليل دورًا بارزًا وأساسيا في تمكين بريطانيا من التغلب على تلك الصعوبات التضخمية للحرب العالمية الثانية، كما إن هذا التحليل كان هو الأساس في السياسة العالمية التي جاءت في أعقاب الحرب الكونية الثانية.

وفي الحقيقة فأن التحليل العاري عن الغرض للنظرية الكينزية يجعلنا بإزاء واحد من اكبر منظري المذهب الاجتماعي، ذلك لأن الغايات التي يسعى إليها والأهداف التي يرمي نحوها هي في التحليل النهائي أهداف اجتماعية وهكذا فأن القطيعة بين نظريته العامة، وبين النظرية التقليدية سواء ما تعلق منها بموضوع العمالة الكاملة، أو في موضوع معدل الفائدة، أو في معالجات التضخم، والإنفاق الحكومي، أو في توزيع المداخيل ونظرته إلى الفوارق في الثروة - في كل ذلك إنما يصدر من مفهوم اجتماعي وغالبا ما كان يبرر آراءه وأفكاره على أساس من تحصيل المنافع الاجتماعية كما سبق أن بينا جانبا منها ضمن تحليلنا السابق، بل إن اضطلاع الدولة بمسؤوليتها في المواضيع السابقة هو بحد ذاته مبرر عند (كينز) على أساس ضرورة ان تلعب الدولة دورا اجتماعيا من خلال النشاط الاقتصادي على أن المواضيع التي ناقشها هي في حد ذاتها لها مغزى اجتماعيًا عميقًا، ولعل من المفيد أن نسوق مقطعًا من نص (كينز) في معرض بيانه للسبب الذي أكسب (ريكاردو) دلك الانتشار الواسع وأن مرده أنه (نال شفاعة السلطة) لأنه عرض كثيرا من المظالم الاجتماعية، والقساوات البينة لابد منها في سير ركب التقدم والمساعي لتعديل هذه الأوضاع على أنها تولد الشر أكثر من الخير في نهاية المطاف واستحق تأييد القوى الاجتماعية المهينة المتعصبة خلف السلطة (لأنه قدم بعض التبريرات لنشاطات الرأسمالي الفردي الحرة) .

وهذا الذي أسلفته هو السبب الرئيسي الذي دفعي إلى اعتباره واحدا من أبرز منظري المذهب الاجتماعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت