فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 74

والواقع فإني لست قادرا على تصور أسبقية الفرد على المجتمع بالنظر إليها من زاوية واحدة هي زاوية المسؤولية بل على العكس من ذلك نجد أن زاوية المسؤولية الفردية التي قررتها نصوص الشريعة كان الهدف الأساس منها هو رسم صورة واقعية للحق الفردي، ونطاقه، والمجال الذي يعمل فيه بما لا يصطدم وحق الجماعة أو المجتمع أو المجموع، ومن ثم فإنه ليس هناك مجال للقول بأسبقية الفرد على المجتمع وكذلك العكس، والذي يدفعني إلى هذا أن ما سبق وقررناه يأبى هذا ويرفضه، ذلك لأن فكرة الحق في الفكر الإسلامي قد قامت على أساس ثابت ومرسوم وهو أنه منحة الشارع، ومن ثم فإنه ليس الفرد خادما للمجتمع وليس المجتمع خادما للفرد بل الكل يعمل في إطار المشروعية، ويسعى إلى إقامة التوازن، ولعل هذا واحد من ميزات الفقه الإسلامي وحيويته، وهكذا يكون الفقه الإسلامي قد زاوج بين قاعدتين على غاية كبيرة من الأهمية بين قاعدة الفرد والاهتمام بمواهبه وخلق روح المبادأة عنده وتطوير كفاءاته وطاقاته، وتطوير أدائه، واعتماده كأساس للتنمية، وبين قاعدة مصالح الأمة، وتقرير حقها في كسب الفرد، ووجوب التكافل بين أفراد الأمة، وأن تكون غايات الفرد منسجمة مع الغايات التي رسمتها الشريعة الإسلامية، وبهذا يتحقق التوازن الفعال والمنضبط بين مختلف المصالح الاجتماعية والفردية.

ولما كان الحق الفردي والحرية الاقتصادية الفردية واحدة منها مقيدة بضوابط مرسومة شرعا وهي تسعى إلى تحقيق التوازن الاجتماعي فإن هذا يعطي للدولة باعتبارها ممثلة الأمة وراعية تطبيق الحكم الشرعي الحق في تحديد هذه المهمة تحصيلا وانفاقأ أي إنتاجا وإدارة توزيعا واستهلاكا وتأسيسا على كل ما قدمنا فإن القيود التي وردت على الحرية الاقتصادية كانت في حقيقتها وجوهرها تستهدف كفالة حق الدولة في التدخل.

إما لمراقبة النشاط الاقتصادي للأفراد، أو لتنظيمه، أو لمباشرة بعض أوجه النشاط التي يعجز عنها الأفراد أو يسيئون استغلالها، ولعل مظاهر هذه الرقابة هي في آن الوقت تعد السند الشرعي لتدخل الدولة.

ان دور الدولة المباشر في السوق الاقتصادية، وذلك من خلال مشاريع القطاع العام الذي تتبناه الدولة سواء أكان ذلك على مستوى الصناعات الاستخراجية، أو على مستوى الزراعة، أو بتعبير أكثر دقة واجب الدولة في تنمية الموارد الاقتصادية زراعية كانت أو صناعية، واضح من خلال ملكيتها للمعادن الهامة والضرورية ومن خلال سيطرتها على القطاع العام الحمى واقطاعية الدولة واحياء الموات ومن خلال سلطتها في تأميم المرافق العامة عندما تقتضيه ضرورة او تستدعيه حاجة كما حدث على عهد عمر بن الخطاب عندما امتنع عن توزيع سواد العراق في واقعة تأميم مشهورة هذا ما يتعلق في دور الدولة في استثماراتها المباشرة وهناك دور مهم اخر يتمثل ذلك في استثمارات الافراد ودور الدولة في رقابته وأثر ذلك على فعالية السوق وآليته في التعامل، وهذا الجانب يتمثل فيما تقوم فيه الدولة من رقابة وإشراف على حركة السوق، والمعاملات، والنشاط الاقتصادي بوجه عام.

والحقيقة فان وظيفة الدولة الرقابية في الاقتصاد الإسلامي تجد مبررها في ذلك النوع من التوجيه الارادي لقوانين المعاملة الاقتصادية، ولقوانين النشاط الاقتصادي بمعنى أن الفكر الاقتصادي الإسلامي لا يفترض أن الوحدات الاقتصادية ستتوجه وبسذاجة وعفوية تدفعها في ذلك يد خفية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت